Desktop
Poster Image

اللغة كائن حي يتطور باستمرار، فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل مرآة للتاريخ والحضارة. اليوم، هناك أكثر من 7,000 لغة محكية حول العالم، لكن الدراسات تشير إلى أن نصف هذه اللغات على الأقل سيختفي أو يصبح مهددًا بالانقراض الشديد بحلول عام 2100. ومع استمرار تشكل اللغات وتغيرها، واندثار بعضها وظهور أخرى، يظل السؤال قائمًا: ما هي أقدم لغة في العالم؟ الإجابة ليست بهذه البساطة، بل هي لغز معقد متعدد الأبعاد. يرى جاريث روبرتس، أستاذ اللغويات بجامعة بنسلفانيا، أن تحديد أقدم لغة في التاريخ ليس بالأمر السهل. ويقول:عندما يسأل الناس عن أقدم لغة، فإنهم غالبًا يقصدون أقدم نص مكتوب، واللغة التي استُخدمت في كتابته. لكن السؤال يمكن أن يُطرح بطرق أخرى: ما هي أقدم لغة في منطقة معينة؟ أو ما هي “اللغة الأكثر محافظة” التي تغيّرت ببطء شديد عبر الزمن؟ هنا يبرز تحدٍ آخر، وهو أننا لا نعرف بوجود لغة قديمة إلا إذا عُثر على دليل مكتوب لها، وهذا لا يعكس بالضرورة القصة الكاملة، لأن البشر استخدموا الكلام ولغات الإشارة منذ فترات أطول بكثير من زمن الكتابة. Mesopotamian Tablet with Uruk IV Proto-Cuneiform Writing, ca 3200 BC توضح كلير باورن، أستاذة اللسانيات بجامعة ييل، أنه من المحتمل وجود أنظمة كتابة أقدم من تلك التي نعرفها، لكنها لم تصمد لأنها لم تُسجَّل على مواد متينة مثل الحجر أو الطين أو العظام. وتشير إلى أن عمر اللغة لا يُحدد مثل عمر الإنسان، فلا توجد “لحظة ميلاد” واضحة لها. قبل ظهور الكتابة الحقيقية، كان البشر يستخدمون الكتابة البدائية (Proto-writing)، وهي رموز أو صور بسيطة لتبادل معلومات محدودة. بعض رسومات الكهوف، مثلًا، يمكن اعتبارها شكلاً من أشكال الكتابة البدائية، وكذلك الرموز التي كانت تُستخدم لتوثيق الصفقات التجارية وعدد السلع المرسلة، وهو النظام الذي تطور لاحقًا إلى الكتابة المسمارية. إذا كان السؤال عن أقدم لغة ما زالت منطوقة حتى اليوم ولها سجل كتابي، فإن اليونانية تحتل المرتبة الأولى. فهي أقدم لغة كُتبت قديمًا وما زالت أحفادها اللغوية منطوقة في العصر الحالي. أما إذا كان السؤال عن أقدم لغة تركت دليلًا مكتوبًا، فإن المنافسة تنحصر بين اللغة السومرية والمصرية القديمة. فقد ظهرتا نحو نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد، أي منذ حوالي 5,000 إلى 6,000 عام. الكتابة المسمارية، التي اشتهرت بعلاماتها الإسفينية المحفورة في الطين، ابتكرها السومريون في منطقة بلاد الرافدين، الواقعة بين نهري دجلة والفرات، وهي أرض العراق الحالي. ومع أن السومريين ربما كانوا أول من كتب جملًا كاملة، إلا أن أقدم جملة مكتوبة تم العثور عليها كانت بالهيروغليفية المصرية، وهي: وحد الأرضين لابنه، الملك المزدوج بيريبسن، والموجودة على قبر الفرعون سِث- بيريبسن. يدور جدل بين الباحثين حول ما إذا كانت الهيروغليفية المصرية قد تأثرت بالكتابة المسمارية. فبينما لم تُبنَ الهيروغليفية مباشرةً على المسمارية، من المحتمل أن المصريين استلهموا فكرة الكتابة من السومريين، ثم طوروا نظامهم الفريد الذي اعتمد على رموز تمثل أصواتًا أو أشياء أو مفاهيم. تشير الأبحاث إلى أن اللغات سبقت الكتابة بآلاف السنين، وربما بمئات الآلاف، لكن ظهور أنظمة الكتابة مثل المسمارية السومرية والهيروغليفية المصرية شكّل نقطة تحول في مسيرة الحضارة الإنسانية، إذ سمح بتوثيق المعارف ونقلها عبر الأجيال.

Time Icon

منذ شهر

Comma Icon
أخبار متعلقة
Facebook فيس بوك