هل تقوم الساعة فى يوم الجمعة؟

هل تقوم الساعة فى يوم الجمعة؟

منذ شهرين

هل تقوم الساعة فى يوم الجمعة؟

سألنى حسن عبدالحميد، بواب العمارة التى أسكن بها، وهو رجل شديد الحرص على استجلاء ما لا يفهم فى الدين وحريص على طاعة الله، سألنى السؤال الذى اتخذته عنوانا لهذا المقال وهو: هل صحيح أن القيامة ستقوم فى يوم جمعة؟، فقلت له: إنك تعلم أننى عشت فى إندونيسيا عدة سنوات كسفير لبلادى هناك، وكنا عندما نصلى الجمعة هناك يكون التوقيت فى كاليفورنيا بالغرب الأمريكى هو مساء الخميس، فهل ستقوم الساعة فى نصف الكرة الأرضى الشرقى ثم تنتظر 12 ساعة حتى تحل الجمعة فى النصف الغربى لاستكمال المهمة؟، ثم ماذا عن الكون الفسيح الذى يعجز العقل البشرى عن تصور مدى اتساعه حيث لا توجد أيام كأيامنا هذه، فهل تقتصر القيامة على كوكب الأرض فقط، حيث يوجد نظام الأيام الناشئ عن دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس؟\nألا تعلم يا فلان أن كل كوكب وكل نجم له نظام لحساب الأيام مختلف عن كوكب الأرض، وأن الأيام عند الله ــ سبحانه وتعالى ــ غير أيامنا هذه بدليل قوله سبحانه: «وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون»، (الحج: 47). وقوله: «يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون»، (السجدة: 5). وقوله تعالى عن يوم القيامة: «تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة»، (المعارج: 4). وهكذا نظم زمنية مختلفة تماما عن نظام الكرة الأرضية.\nصمت ولم يعقب ولم أدر هل هو صمت المقتنع أم صمت المؤدب الذى لا يريد الاستمرار فى الجدل؟، ثم جاءنى بعد أيام قليلة قائلا: إنهم سألوا الأزهر فأكد لهم أن القيامة ستقوم فى يوم جمعة وأن هذا ورد فى حديث نبوى متفق عليه يصف يوم الجمعة أنه خير أيام الأسبوع، ففيه ولد آدم وفيه طرد من الجنة وفيه تاب الله عليه وفيه تقوم الساعة. ثم تصادف أن استمعت فى الجمعة التالية إلى مذيع بإذاعة القرآن الكريم من القاهرة وهو يكرر هذا الحديث ويتبعه بقوله «متفق عليه»، أى بين البخارى ومسلم أهم كتب الصحاح كما توصف فى التراث الإسلامى.\nلقد كتبت كثيرا عن التراث وأن الحفاظ على التراث الثقافى لا يكون أبدا بعدم المساس به ولا يكون شأنه شأن التراث المادى كالتماثيل والمتاحف والمساجد والقصور الأثرية التى يجب الحفاظ عليها كما هى، وتوخى الدقة تماما عند ترميمها.\nأما التراث الثقافى ــ والدين طبعا من أهم مكوناته ــ فإن الحفاظ عليه لا يتم إلا بمراجعته مراجعة نقدية وتخليصه من الشوائب.\nوقد جاء فى نص وثيقة الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامى التى اعتمدها مؤتمر القمة الإسلامى فى داكار عام 1991 «إن الأمم التى لا تراجع تراثها الثقافى هذه المراجعة النقدية لن يكتب لها التقدم، وتدعو الاستراتيجية الثقافية هذه إلى عدم إضفاء القدسية على التراث فهو عمل بشرى ــ حتى وإن ارتبط بوحى السماء ــ فلا شىء مقدسا سوى الوحى ذاته أما ما عدا ذلك فهو من صنع البشر.\nلنذكر أن الصحابة الأوائل فرقوا بين الوحى وبين أى أقوال أخرى للرسول، ولنذكر أنه فى موقعة بدر الكبرى عندما اختار الرسول مكانا لكى يتحصن فيه المسلمون سأله أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر: «هل هذا منزل أنزله الله لك ليس لنا أن نتعداه أم هو الرأى والحرب والمكيدة»، فقال الرسول (ص) بل هو الرأى والحرب والمكيدة، فأشار الصحابى على النبى بتغيير الموقع حتى يحولوا بين جيش قريش وماء بدر وقد أخذ النبى بهذا الرأى، وهكذا فإن الرأى والمشورة جعلت الرسول يعدل عن رأيه الأول، فلا شىء مقدسا سوى وحى السماء.\nفما بالنا إن كان الحديث المنسوب للرسول يتعارض مع العقل أو العلم الثابت أو مع نصوص القرآن الواضحة، مثل حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، وهو الأمر الذى يتعارض تماما مع نصوص كثيرة فى القرآن الكريم تدعو بعدم الإكراه فى الدين ولحرية العقيدة مثل: «لا إكراه فى الدين» (البقرة: 256) ، ومثل: «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» (يونس: 99)، ومثل «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فيكفر» (الكهف: 29) ، ومثل: «إن أنت إلا نذير» (فاطر: 23) ، ومثل «إن عليك إلا البلاغ» (الشورى: 48) ، وعشرات النصوص الأخرى..\nولم يؤذن للمسلمين بالقتال إلا دفاعا عن النفس وبعد خمسة عشر عاما من الإيذاء والقتل والطرد من بيوتهم والاستيلاء على أموالهم، وعندها فقط نزلت الآية الكريمة التى تقول: «أذن للذين يقاتلون (أى يعتدى عليهم) بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله». (الحج: 36) .\nقرار القمة الإسلامية فى داكار عام 1991 الذى أشرت إليه صدر بإجماع الدول الأعضاء، إلا أنه لم تتقدم دولة واحدة للتنفيذ، وباعتقادى أن مصر بأزهرها الشريف هى خير من ينهض بهذه المهمة فما عليها إلا أن تدعو نخبة من علماء العالم الإسلامى المتخصصين على غرار تلك النخبة التى أعدت الاستراتيجية الثقافية، وتشرع فى تنفيذ هذه الاستراتيجية بدءا بمراجعة التراث الإسلامى سواء أكان حديثا أم سيرة أم تاريخا أم شريعة بغرض تنقية ما لصق به عبر السنين.

الخبر من المصدر