المحتوى الرئيسى

مصطفى الفقي يكتب: الأحزاب السياسية العربية بين القومية والدين

07/04 19:38

لا نكاد نجد نموذجا يتشابه مع الأحزاب السياسية فى الدول العربية من حيث انقسامها بين أحزاب ذات مرجعيات دينية وأخرى ذات مرجعيات قومية، ولكن الأمر الذى لا خلاف عليه هو أن معظم الأحزاب فى العالم العربى دارت حول هذين المحورين، عدا اختلافات بسيطة سوف نشير إليها فى هذا المقال، وسوف نختار أربعة نماذج للأحزاب السياسية فى المنطقة العربية وهى الوفد فى مصر والقومى فى سوريا ولبنان والبعث فى سوريا والعراق، ثم حركة الإخوان المسلمين التى بدأت من مصر عام 1928.

لعلنا نسرد على القارئ فى السطور المقبلة دراسة موجزة ونقاطا محددة حول ما يمكن اعتباره أمثلة للأحزاب السياسية العربية بعنصرَيها الأساسيين الدين والقومية أو الإسلام والعروبة، ولعلنا نستهل ذلك بحديث عن واحد من أكبر الأحزاب السياسية وأكثرها استمرارية فى تاريخ العرب المعاصر، وهو حزب الوفد المصرى. وعلى الرغم من أنه ليس الحزب الأول فى التاريخ المصرى الحديث، فقد سبقه الحزب الوطنى القديم، ثم الجديد، وكذلك حزب الأمة وحزب الإصلاح الدستورى وغيرها من التنظيمات السياسية فى فترات مختلفة من تاريخ السياسة والحكم فى الدولة المصرية، فحزب الوفد هو نتاج للثورة الشعبية ضد الإنجليز عام 1919، عندما جمع المصريون توكيلات لتفويض الزعيم سعد زغلول ورفاقه لعرض القضية الوطنية على مؤتمر السلام الدولى بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ودخول العالم مرحلة جديدة، طالب فيها المصريون بإلغاء الحماية وجلاء القوات البريطانية والاعتراف باستقلال البلاد حتى صدر تصريح 28 فبراير (شباط) 1922 فى هذا السياق. وتحولت السلطنة المصرية إلى المملكة المصرية فى ظل عرش أسرة محمد على، وأصبح حزب الوفد بحق وعاء الحركة الوطنية فى مجملها، وكان تعبيرا شعبيا كاسحا عن إرادة المصريين من خلال حزب سياسى ظل قائما فى المائة عام الأخيرة، باستثناء انقطاعه فى فترة إلغاء الأحزاب أثناء العصر الناصرى.

لقد عرف الحزب عددا من القيادات التاريخية، أهمها سعد زغلول، الزعيم المؤسس وخليفته مصطفى النحاس، الذى كان نموذجا للصلابة الوطنية، ثم فؤاد سراج الدين الذى أعاد إحياء الحزب فى عصر الرئيس الراحل أنور السادات. وبذلك، يظل حزب الوفد المصرى هو أكثر الأحزاب استمرارية وتواصلا على امتداد قرن كامل أو ما يزيد، ولا يعنى ذلك أنه لم تكُن هناك أحزاب أخرى، إلا أن حزب الوفد تميز عن غيره بشعاراته الداعية لفصل الدين عن الدولة والاستظلال بمظلة الليبرالية الوطنية، فضلا عن تأكيد الإخاء بين المسلمين والأقباط فى مصر على نحو غير مسبوق، حتى كان مكرم عبيد، سكرتير عام الحزب فى أكثر فترات ذلك الحزب نشاطا وحيوية، بل واكتسب مكرم عبيد القبطى شعبية واسعة، حتى اختلف مع زعيم الحزب النحاس وخرج من عباءته وأصدر كتابه الأسود فى التشهير برفاق الأمس وشركاء المنفى وقيادات الوفد من طبقته الأولى.

وإذا انتقلنا إلى حزب مختلف تماما وأعنى به الحزب القومى السورى، فنحن أمام نموذج لروح المشرق العربى على اختلافها عن غيرها وتميزها بروح الشام الكبيرة أو سوريا الكبرى، ولا بد من أن أعترف هنا أننى تعاطفت إنسانيا مع زعيم ذلك الحزب وأعنى به السيد أنطون سعادة الذى انتهت حياته بالإعدام على ساحل البحر فى لبنان، حتى إن كثيرين يرون أن اغتيال السياسى اللبنانى رياض الصلح قد جاء انتقاما لإعدام سعادة، وبذلك أسدل الستار عن ذلك الحزب الذى كان يتحدث عن الهلال الخصيب ونجمته فى قبرص، فى إشارة إلى سوريا ولبنان وبقية دول المشرق العربى بما فيها العراق، فقد كان ذلك الحزب هدفا لانتقادات حادة، بل واعتبره البعض معاديا للمفهوم الشامل للعروبة، مركزا فى شوفينية، بل وعنصرية على منطقة الشام، ومع اعترافنا بأنها بؤرة الحركة القومية لأنها كانت ولا تزال مستقرا للعروبة منذ الفتوحات الإسلامية وحتى الآن، وهو ما يعنى أن الحزبين الوفد المصرى والقومى السورى كانت لهما منطلقات قطرية لم ينجحا فى الامتداد بها إلى عموم أقطار الوطن العربى. بينما أظن أن حزبا واحدا قد نجح فى ذلك الاختراق القطرى وأعنى به حزب البعث العربى الاشتراكى الذى عكفت على تأسيسه بضعة أسماء معروفة فى تاريخه وأعنى بهم زكى الأرسوزى وميشال عفلق وصلاح البيطار وغيرهم من رواد حزب البعث الأوائل. ولقد انتشر الحزب منطلقا من سوريا إلى العراق والأردن ولبنان ليمثل قوة ضاغطة على الحياة السياسية فى تلك الدول، لا تزال آثارها قائمة حتى الآن. وكان امتداد البعث قائما على الشعارات القومية الثلاثة «حرية، اشتراكية، وحدة» أو «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة». ومن أعظم نقاط ضعف هذا الحزب أنه لم ينجح فى غزو مصر سياسيا وثقافيا على الرغم من أن ذلك قد أتيح له فى سنوات الوحدة السورية المصرية. ولو أن ذلك الحزب نجح، وهذا افتراض بعيد فى ضم عبدالناصر إليه، لأصبح من الممكن أن يتحول إلى قوة عربية هادرة تعيد الأوضاع إلى ما كان متوقعا لحزب عربى قومى عابر للأقطار ومؤثر فى المستقبل السياسى للمنطقة برمتها.

فإذا انتقلنا إلى أخطر التنظيمات العربية على الإطلاق، التى تجسد نموذج الحزب السياسى القائم على استخدام الدين الإسلامى بمنطق السمع والطاعة وإحياء مفهوم الإسلام السياسى فى العالم الإسلامى كله، وأعنى به حركة الإخوان المسلمين التى تمكن مؤسسها الشيخ حسن البنا من تحويلها إلى حركة سياسية كبرى أثرت تأثيرا ضخما فى العالم الإسلامى حتى الآن، بل إننا نعتبرها الأم الشرعية لكل التنظيمات الإسلامية المعاصرة. ويجب أن نشير إلى تأثيرها الضخم فى مجريات الأحداث على المستويين الإقليمى والعالمى وقدرتها على الاختراق فى بلد يبدو فيه الدين متجذرا وأعنى به مصر، لأن شعار الحركة على بساطته يجذب الملايين إليه، فمن ذا الذى لا يردد «الله أكبر ولله الحمد». ولقد دخلت جماعة الإخوان المسلمين فى عداء طويل مع نظام الحكم فى مصر فى العهدين الملكى والجمهورى، فكانت المواجهة مع عبدالناصر فى مرحلتين، الأولى عام 1954 بعد محاولة اغتياله فى ميدان المنشية بالإسكندرية والثانية عام 1965 التى انتهت بإعدام الداعية سيد قطب الذى يُعتبر الفيلسوف الفكرى للجماعة ويقف مع أبو الأعلى المودودى فى باكستان وأبو الحسن الندوى فى الهند على قدم المساواة.

لقد واجهت مصر بعد ذلك موجات عاتية لحركة الإخوان المسلمين وهى تحاول الوصول إلى السلطة حتى قفزت إليها بعد أحداث الربيع العربى 2011. وحكمت مصر من منتصف 2012 حتى منتصف عام 2013 عندما خرج عشرات الملايين إلى الشوارع لإسقاط حكمهم ووصل المشير عبدالفتاح السيسى، قائد الجيش آنذاك إلى منصب رئيس الجمهورية وكانت تلك الضربة الكبرى لجماعة الإخوان المسلمين، لا فى مصر وحدها، ولكن على مستوى العالم الإسلامى كله، ولقد عانت منهم دول كثيرة أبرزها الجمهورية التونسية التى أرسى فيها قواعد الاستقرار والانفتاح والليبرالية وتمكين المرأة وحماية الأسرة، زعيم فذ سبق عصره وأعنى به الحبيب بورقيبة، بطل الاستقلال فى ذلك القطر العربى الشقيق، كما أن بورقيبة هو مؤسس الحزب الحر الدستورى فى بلاده، تأكيدا لدوره فى اليقظة الفكرية العربية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل