المحتوى الرئيسى

هل تكون الصومال أفغانستان التالية؟

09/27 19:15

نشر مركز The International Crisis Group مقالا للكاتبين عمر محمود وعبدالحكيم عينتى، يتساءلان فيه هل تتحول الصومال إلى أفغانستان أخرى، فى ظل توافر جميع العوامل الممهدة لهذا الطريق المشئوم، بدءا من نفاد صبر الشركاء الدوليين إلى انتشار نفوذ حركة الشباب المتطرفة وفشل النخبة فى الوصول إلى تسوية سياسية... نعرض منه ما يلى.

أثار الاستيلاء السريع لطالبان على السلطة فى أفغانستان أسئلة جدية حول جدوى مشاريع بناء الدولة بدعم خارجى، لا سيما فى ظل غياب تسوية سياسية شاملة. هذه التجربة لها تداعيات تتجاوز أفغانستان، ولكن ربما لا يوجد فى أى مكان فى العالم أوجه تشابه مع ما حدث فى أفغانستان كما هو الحال فى الصومال.

بداية، الصومال يحمل الكثير من أوجه التشابه مع أفغانستان. ففى كلا البلدين، ترسخ مشروع حكم إسلامى، إلا أن القوى الخارجية طردته فى سياق الحرب العالمية على الإرهاب (الولايات المتحدة فى أفغانستان وإثيوبيا فى الصومال).

ما تلا ذلك كان مشاريع بناء دولة بدعم من الخارج لتحل محل هياكل الحكم السابقة، لكن كانت هناك حركات تمرد متزايدة ضد تلك التدخلات والدعم الخارجى (طالبان فى أفغانستان وحركة الشباب فى الصومال). وتم الحفاظ على الحكومات الجديدة من خلال المساعدة الأمنية الخارجية.

لكن لا تزال هناك اختلافات كبيرة بين الصومال وأفغانستان. فتمرد حركة الشباب ليس مشابهًا لتمرد طالبان من نواحٍ عديدة؛ فهو يفتقر إلى خبرة طالبان فى الحكم، ولا يزال يشارك علنًا فى هجمات إقليمية خارج حدود الصومال، ولم يُظهر أى رغبة فى الحصول الاعتراف الدولى الذى يبدو أن طالبان تسعى إليه. كما أن حركة الشباب لا تمتلك ملاذا آمنا خارج الصومال على غرار ما كان يتمتع به قادة طالبان فى باكستان.

علاوة على ذلك، يختلف نظام الحكم فى الصومال عن النظام المركزى الذى كان موجودًا فى أفغانستان حتى وقت قريب. ففى الصومال، النظام فيدرالى نظرا لوجود نظام عشائرى معقد. وأخيرًا، تختلف طبيعة المساعدة الخارجية أيضًا، حيث يتم ضمان الأمن فى الصومال من خلال المساهمات المالية الغربية، لكن القوات الخارجية تكون من الاتحاد الأفريقى.

على الرغم من هذه الاختلافات، فإن أوجه التشابه ملفتة للنظر بما يكفى لإثارة السؤال عما إذا كان الصومال قد يصبح أفغانستان التالية. وإلى حد كبير، سيتم تحديد المستقبل القريب للصومال من خلال ثلاثة عوامل رئيسية: قوة تمرد حركة الشباب، وأداء الحكومة الفيدرالية المتعثرة، ومدى صبر الشركاء الدوليين. ولسوء الحظ، فإن الدلائل لا تبشر بالخير على الإطلاق.

بالنسبة للعامل الأول (قوة حركة الشباب) نقول الآتى: انتعشت حركة الشباب فى السنوات الأخيرة، وتكيفت الحركة من خلال إبراز قوتها ونفوذها، دون الحاجة إلى السيطرة المادية على المناطق الحضرية، وذلك من خلال مزيج من الإنفاذ القسرى والفعالية الإدارية.

على سبيل المثال، قدرت إحدى الدراسات لعام 2020 ضرائب الحركة بـ 15 مليون دولار شهريًا، يأتى أكثر من نصفها من مقديشيو نفسها، حيث تسيطر الحكومة الفيدرالية الصومالية من الناحية الفنية وحركة الشباب من الناحية الإدارية. ويظل تحديد إجمالى إيرادات الحركة أمرا صعبا، لكن العديد أكدوا أن عائدات حركة الشباب تفوق عائدات الحكومة نفسها.

كما طورت حركة الشباب مكانة خاصة فى تقديم خدمات معينة، لا سيما العدالة. فمقديشيو مليئة بقصص لمسئولين حكوميين يسافرون خارج المدينة لزيارة محاكم حركة الشباب لحل نزاع على أرض أو مسائل مماثلة. ويرجع هذا إلى سجل الحركة فى تقليل الفساد، وتحقيق المزيد من الاتساق، وتنفيذ فرماناتها بقدرة أكبر من الحكومة نفسها.

لكن لا يعنى أى من هذا أن حركة الشباب تتمتع بشعبية واسعة. لكن كلا من نهج الإنفاذ القسرى والقدرة الإدارية أثبتتا فعاليتهما مقارنة بالحكومة الفيدرالية.

أما العامل الثانى المتعلق بالحكومة الفيدرالية الصومالية: فهى تفشل على عدة مستويات. أولا لم تتمكن من وقف تسلل حركة الشباب، واتسمت السنوات القليلة الماضية بالفساد المستمر والاقتتال السياسى الشديد. نتيجة لذلك، سقطت الإصلاحات الرئيسية مثل تنفيذ هيكل للأمن القومى، ووضع اللمسات الأخيرة على الدستور المؤقت، والتقدم نحو إجراء الاقتراع العام.

وفى الآونة الأخيرة، هدد الصراع على السلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء باندلاع المزيد من العنف فى العاصمة. ظهر هذا الخلاف بعد اختفاء ضابط كان يعمل فى جهاز الأمن والمخابرات الوطنى وأعلن عن وفاته فيما بعد دون تفسير معقول. وأسفر ذلك عن إقالة رئيس الوزراء لرئيس المخابرات، وهى الخطوة التى رفضها الرئيس.

كما كانت انتخابات مجلس الشيوخ فى أواخر يوليو الماضى، بداية مشئومة. حيث اختار رؤساء الولايات مرشحين بطريقة وقحة وفظيعة من خلال اختيار مرشحيهم المفضلين ومنع الآخرين. كما حُرم العديد من أعضاء مجلس الشيوخ السابقين الذين اختلفوا مع رئيس دولتهم من فرصة الترشح مرة أخرى.

أما انتخابات مجلس النواب القادمة فتعتبر عملية أكثر تعقيدًا: فسيتم اختيار كل ممثل من قبل وفد مكون من 101 عضو ينحدرون من عشيرتهم. يتم اختيار هؤلاء المندوبين بدورهم من قبل كبار السن ومجموعات المجتمع المدنى من تلك العشيرة. ومع ذلك، من المحتمل أن يحدث مستوى التلاعب الواضح فى مجلس الشيوخ فى هذا السباق أيضًا.

وبخصوص العامل الثالث المتعلق بمدى صبر الشركاء الدوليين: فدعم الدول المانحة يتراجع والإحباط متصاعد فى العواصم الغربية والولايات المتحدة فى السنوات الأخيرة، خاصة أن المراحل الانتقالية الرئيسية لم تتحقق فى الصومال، وأشار الاتحاد الأوروبى إلى أن مساهماته ستنخفض فى عام 2021.

يثير هذا الإحباط من جانب الدول المانحة تساؤلا حول ما إذا كان الانسحاب من الصومال يشبه نظيره فى أفغانستان. فالشركاء الدوليون لم يجدوا أنه من المفيد تمويل مشروع بناء الدولة الصومالية، وقوات الأمن الصومالية ليست مستعدة لتحمل المسئولية فى البلاد، وأى انسحاب سريع من شأنه أن يفيد حركة الشباب بالتأكيد.

تزداد احتمالية حدوث مثل هذا الانسحاب إذا رأى الشركاء أن عائد الاستثمار فى الحكومة الفيدرالية لا طائل منه. وكان دفاع الرئيس الأمريكى جو بايدن عن سياسة إدارته تجاه أفغانستان واضحا، حيث أشار إلى أنه «أى قدر من القوة العسكرية لن يوفر أبدًا أفغانستان مستقرة وآمنة». قد يشير ذلك إلى أن الرئيس الأمريكى لا يرى قيمة كبيرة فى الاستمرار فى دعم مشاريع بناء الدول من الخارج. ويبدو أن الصومال يقع ضمن هذه الفئة.

يجب أن تكون هذه التطورات بمثابة جرس إنذار للنخبة السياسية الصومالية التى أمضت معظم العام الماضى تتشاجر حول الانتخابات المقبلة. يجب عليهم إثبات أن مشروعهم يستحق الاستثمار المستمر من أجل تجنب فقدان المزيد من الدعم الخارجى.

ولعل الخطوة الأولى الحاسمة تتمثل فى ضمان عملية انتخابية سلسة وذات مصداقية. وهذا من شأنه أن يساعد البلاد على الخروج من دورة الانتخابات المتوقفة، وإنتاج تفكير وقيادة جديدة لمعالجة العديد من القضايا الملحة التى يواجهها الصومال، وتمهيد الطريق للمصالحة من أجل المضى قدمًا. بدون ذلك، ستشكك الجهات الخارجية بشكل متزايد فى استثماراتها فى مشروع بناء الدولة الصومالية.

كما يجب على الجهات الخارجية إرسال رسالة واضحة إلى النخب الصومالية مفادها أن المزيد من الجدل وعدم القدرة على المضى قدمًا سيعنى إعادة تقييم استثماراتهم. وسقوط أفغانستان فى أيدى طالبان يجب أن يوفر بعض الزخم ونأمل أن يطلق أجراس الإنذار.

حل هذه التوترات سيفتح الباب لخطوات أخرى أيضا، مثل وضع اللمسات الأخيرة على الدستور. ويمكن أن يكون لهذه الإجراءات تأثير مزدوج: زيادة مصداقية الحكومة مع إقناع المجتمع الدولى بأن مشروع بناء الدولة فى الصومال يستحق الاستثمار المستمر.

فى نهاية المطاف، هناك درس آخر من أفغانستان وهو أن النصر النهائى على الجماعات المتمردة الراسخة مثل طالبان من خلال تحسينات فى الحكم وتدريب قوات الأمن، احتمال غير مؤكد. لذلك لابد أن يكون جزءا من المعادلة فى الصومال إشراك حركة الشباب فى الحكم لإلقاء أسلحتها، بالرغم من كل التحديات والشكوك التى يفرضها ذلك.

أهم أخبار مقالات

Comments

عاجل