المحتوى الرئيسى

اعتذار الكبار | المصري اليوم

05/09 05:33

منذ نحو ثلاثة أسابيع، لفت نظرى الكاتب والباحث الصديق «أحمد سعيد المصرى» إلى مقال نُشِر فى جريدة «الشرق الأوسط»، تحت عنوان «انتصار رمضان.. حان الاعتذار»، للكاتب الفلسطينى «بكر عويضة»، (وحسنًا فعلت جريدة «المصرى اليوم»، إذ أعادت نشره بتاريخ 22 إبريل). كانت مناسبة نشر المقال هى ذكرى حرب العاشر من رمضان (6 أكتوبر 1973). فى ذلك المقال طالب الكاتب بضرورة الاعتذار، بل بما هو أكثر من الاعتذار، لمصر وللرئيس السادات وأسرته. طلب اعتذار «أشخاص كثيرين.. ومنظمات وأحزاب، ومنابر ومنصات إعلامية وفكرية، أسهموا كلهم، بشكل أو بآخر، فى إلحاق الأذى بمصر، دولة ومواطنين وجيشًا.. ولم يترددوا فى النَّيْل من تضحيات شعب وادى النيل، وهم يدركون أنها أساس تحقيق انتصار العاشر من رمضان- السادس من أكتوبر 73.. أذى تسبب، طوال سنوات عدة، فى كثير ألم لأهل مصر، رجالًا ونساءً، باختلاف مشاربهم، السياسية والثقافية والعقائدية».

وتحدث «بكر عويضة» عن المؤتمرات والندوات وكافة أشكال «حملات التشكيك فى تضحيات مصر منذ نكبة فلسطين 1948، وصولًا إلى انتصار 1973». ولم يستثنِ «عويضة» نفسه من «خطأ»- وربما «خطيئة»- المشاركة فى تلك الحملات، إلى جانب نُخب، تضم إعلاميين ومثقفين ومفكرين.. وكبار رجال قرار.. وبعض تجار بيزنس اصطياد الصفقات، الذين لم يساورهم «مقدار ذرة من تأنيب ضمير»، إذ حوّلوا «الانتصار» إلى «عار» يوجب الخجل منه، بادعاءات وحجج مثل «ثغرة الدفرسوار» و«زيارة السادات للقدس وخطابه فى الكنيست»، و«توقيع اتفاقات كامب ديفيد». ويستنكر الكاتب «عويضة» «تبخيس مناضلى فنادق الخمس نجوم.. ليس فقط لحجم الانتصار التاريخى، بل- وهو الأشد مضاضة فى الألم- لدماء أولئك الذين ضحوا بأرواحهم كى يعيدوا شيئًا من كرامة العرب المهدورة». وتحدث الأستاذ «عويضة» عن تشكيل ما سُمى «جبهة الصمود والتصدى» (ليبيا وسوريا والعراق والجزائر ومنظمة التحرير الفلسطينية واليمن الجنوبى).. التى شُكلت بغرض محدد، هو «كَيْل ما أمكنهم من كل ألوان مفردات عبثية ضد مصر تحديدًا»، وشاركتهم فى ذلك «أطراف مصرية وأحزاب عربية».. كما أشار الكاتب إلى «تعليقهم كل المواقف على شماعة كامب ديفيد».

مقال الأستاذ «بكر عويضة» يتسم بقدر من الشجاعة الأدبية السياسية، لطالما تفتقده معظم صحافتنا العربية، شجاعة الاعتراف بالخطأ والاعتذار بوضوح لا يقبل اللبس، إنه اعتذار الكبار وفضيلة الرجوع إلى الحق، بعيدًا عن الوقوع فى أسر أبدى لشعارات الماضى، تلك الشعارات التى تجاوزها الزمن والواقع التاريخى، والتى مازالت ترددها فلول ميليشيات السياسات العنترية ومرتزقة الإعلام، ومن خلفهم بعض المصابين بالحواز السياسى والتثبت عند مرحلة المراهقة السياسية، من المهووسين بفكرة التخوين، أو «التكفير الوطنى والسياسى».

«جبهة الصمود والتصدى» تصدت لمصر.. طردتها من جامعة الدول العربية، وطاردتها فى كافة المنظمات الدولية. أقطاب الجبهة.. الطغاة الثلاثة.. «القذافى» و«صدام» و«الأسد».. بدّدوا ثروات شعوبهم وأنفقوا الملايين على حملات ضد مصر قادها «مناضلو الفنادق» من السياسيين والإعلاميين الفاسدين من «المحيط الأطلسى» إلى «الخليج الفارسى»، بل من كل بلدان العالم. كل من الطغاة الثلاثة تولى السلطة عبر انقلاب، ورسّخ لسلطته لعقود، بحكم الحديد والنار والاغتيالات والتآمر على زملائه، وثلاثتهم شارك أبناؤهم فى حكم بلادهم، استعدادًا لوراثة الرئاسة/ العرش، كما اشترك ثلاثتهم فى تتويج عهودهم «السعيدة» بدمار وخراب وتقسيم بلادهم. ولا نعتقد أن بلادهم سوف تعود مُوحَّدة مرة أخرى. رحل ثلاثتهم ومَن تبعهم جميعًا عن عالمنا، ولكن لم ترحل بعد ذهنية التسلط على الشعوب وتأبيد الحكم والتخلف الحضارى وتوريثهما باسم «فلسطين».. أو بأى اسم أو شعار ديماجوجى آخر. ومازال هناك الكثيرون من «المناضلين» ممن يقطنون الماضى القريب والماضى السحيق و«فنادق النجوم الخمسة»، وإن تقلصت مصادر تمويلهم إلى دولة واحدة وبعض المنظمات والأفراد.

مازال هناك مَن يريد تأجيج نيران عداءات وحروب انقضت أسباب اشتعالها منذ عقود. وتعليق مشكلة «سد النهضة» على «شماعة إسرائيل»، وهو نوع من العصاب السياسى الممجوج.

أتابع من وقت لآخر ما يبثه المستشار «أحمد عبده ماهر» عبر وسائط التواصل الاجتماعى من اجتهادات مشروعة فى قراءته لبعض ما يُعرف بـ«تراث إسلامى». اجتهادات يبين فيها السيد المستشار عن رؤى مستنيرة وكاشفة لبعض مما لا يفخر به العقل السوى والفطرة السليمة. ولَكَم خاض الرجل من معارك لكشف الغطاء عن نصوص فقهية كانت- وإلى وقت قريب- تُدرس فى معاهدنا الأزهرية، رأى أنها تساعد على تكوين الذهنية الإرهابية. والمستشار «أحمد عبده ماهر» (يبلغ من العمر خمسة وسبعين عامًا). جمع بين دراسة القانون ودراسة العلوم العسكرية. وهو من محاربينا القدماء، وقد خاض عدة حروب دفاعًا عن الوطن، وناله ما ناله من إصابات. مثل هذا الرجل يستحق أن يُزين صدره بالأوسمة والنياشين لما خاضه من معارك حربية ومعارك فكرية تنويرية، لا أن تُستنزف صحته فى المثول أمام مُحقِّقين لساعات طوال، بتهمة «ازدراء الإسلام»!!. تُرى هل من سبيل قانونى لوقف مهزلة هذه السهولة «الفجّة» فى «البهدلة» و«الجرجرة» أمام المحاكم لمَن هم يستحقون الاعتذار لهم عن تأخر شكرهم وتكريمهم؟. مع هذا المشهد السريالى.. هل هناك إرادة حقيقية لتجديد الخطاب الدينى؟.

مهالك الأهلى والزمالك

أهم أخبار رمضان

Comments

عاجل