المحتوى الرئيسى

'لوكاندة بير الوطاويط'.. أحمد مراد يُكرر نفسه بين عالمي 'التاريخ والجريمة'

08/05 17:27

حالة من الانفصال بين المثقف والجمهور لطالما فرضت نفسها على الساحة الثقافية العربية ككل، وعلى إثرها وجهت أصابع الاتهام مرارًا لتلك النخبة المثقفة التي تمادت في عزل نفسها إلى أن صارت ذات لغة خاصة بها لا يهتم بها الجمهور العام. انعدام وتراجع القراءة لطالما شكَّل أزمة اجتماعية وثقافية قادت إلى تعزيز ذلك الانفصام بين نخبة مثقفة قارئة ذات لغة نوعية، وجمهور لا يأبه بما يقدمه صناع تلك الثقافة ويتهمونهم بالانعزالية والتعقيد.

منذ سنوات، تغيّرت ملامح ذلك الواقع في مصر بشكل تسهل ملاحظته، ها هي الفئات الشبابية التي لا يتجاوز عمرها العشرين عامًا، والتي اجتذبتها وسائل التواصل الاجتماعي واحتجزتها الألعاب الالكترونية طويلًا أمام الشاشات، تتسابق للحصول على كُتب وحضور حفلات توقيع وانتظار كاتبها المُفضّل لتناقشه وتسمعه. راج الأدب الذي طالما حلم كاتبوه بأن ينال مثل ذلك الرواج والاهتمام، تزايدت معدلات القراءة بين فئات مختلفة من الشباب خصوصًا، ولكن بقي السؤال: "ماذا يقرأون؟".

"الأدب الأكثر مبيعًا" عبارة باتت تحدد ملامح سوق النشر في مصر، أسماء صعدت بسرعة وقوة، كان الروائي المصري "أحمد مراد" على رأسهم، فهو كبيرهم الذي علمهم السحر وهو من رسم لهم معالم طريق مُعبّدة بتصفيق الجماهير. توارت الصورة الكلاسيكية للأديب الذي يجلس منهمكًا خلف مكتبة مزدحمة بالكتب ليحل محلها الكاتب الشاب الذي يلتقط الصور الاحترافية كنجوم السينما ويطرح الفيديوهات الترويجية لأعماله الروائية ويختار موسيقاها، ويصور لقاءاته بجمهوره ومعجبيه أثناء توقيع أعماله.

كيف استطاعت فئة من شباب الكُتّاب أن يجتذبوا جيلًا جديدًا من الشباب غير المهتم بالثقافة ليصير متشوقًا للرواية وكأنها موعد غرامي يُقبل عليه بكل شوق ولهفة. ما الذي يكتبه هؤلاء الكُتّاب ويمثل نقطة جذب فارقة لهذه الدرجة مع العديد من القراء؟ هل ثمة أدب جديد تتشكل ملامحه في الوقت الراهن ويحتاج إلى دراسة وفهم أم أن ظاهرة "الأكثر مبيعًا" هي شرارة مؤقتة سُرعان ما ستتلاشى وتذهب جُفاء؟

راودتني هذه الأسئلة كثيرًا، تحديدًا منذ بزغ نجم الروائي الشاب أحمد مراد، وفاقت شهرته العشرات من كبار الكُتّاب المعاصرين والراحلين. الرواج الجماهيري ليس بالضرورة معيارًا لجودة العمل أو أهميته أيًا كان، ولكن في الوقت ذاته لا بد أنه يحمل الكثير من المؤشرات حول تلك الأنماط من الكتابة المُفضّلة جماهيريًا، وأهمية التسويق الأدبي وضرورة الاستفادة مما تتيحه مواقع التواصل الاجتماعي في الاتصال بالجمهور وإقناعه؛ تلك الأدوات باتت مُوجِهة للواقع ككل شئنا أم أبينا، وأضحى من الذكاء الاستفادة منها واستغلالها والنظر فيما تتيحه من مزايا والارتكاز عليه لتحقيق مسارات أفضل.

ولكن تلك الأسئلة كانت محل تجاهل من مؤسسة النقد الأدبي وما زالت، حالة من التعالي جعلت من النقاد يأنفون دراسة ظاهرة الأدب الأكثر مبيعًا وتحديدًا "ظاهرة أحمد مراد"، أُطلق على ما يُقدم من أعمال "أدب المراهقين" ووقف النقد عند هذه النقطة مُقتنعًا بها ورافضًا الولوج إلى ما هو أعمق، ربما هي حالة من التعالي على نمط كامل من الأدب: "الرواية البوليسية" أو "أدب الجريمة" الذي جرى تصنيفه أكاديميًا كأدب من الدرجة الثانية فيما هو على أرض الواقع يحتل المركز الأول، جماهيريًا على الأقل.

أحمد مراد كاتب ذكي يعرف من أين تؤكل الكتف، منذ أن أصدر روايته الأولى "فيرتيجو" عام 2007 التي اعتمدت بشكل كامل على الإثارة والتشويق كان قد صنع قراءه ومعجبيه، هؤلاء الذين أعجبوا بلعبة التشويق التي تحبس الأنفاس وتجبر على متابعة القراءة حتى النهاية، يكتب أدب الجريمة الذي يعزف عن كتابته الكثيرون كتصنيف واضح وصريح، رغم أن الجريمة موجودة في أعمال كبار الكتاب وفي أشهر روايات نجيب محفوظ لكنها في تلك الروايات لا تقف عند الجريمة وإنما تستخدم الثيمة وتتجاوزها نحو أبعاد اجتماعية وفلسفية وثقافية. ولكن أحمد مراد في أعماله توقف عند ثيمة الجريمة بدرجة كبيرة واستثمر نجاح "فيرتيجو" في كتابة "تراب الماس" التي تعتمد على الجريمة كثيمة أساسية أيضًا، ثم "الفيل الأزرق" التي خلطت أجواء الجريمة بالمرض النفسي ونجحت في أن تصل إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2014 لتكون في منافسة مع أعمال أدبية مع أسماء أدبية كبيرة في الوطن العربي.

فُتن القراء كثيرًا بأدب الجريمة الغربي وعلى رأسه كتابات أجاثا كريستي، وفي وقت مُبكر كانت الكتابات العربية البوليسية مثل "المغامرون الخمسة" للكاتب المصري محمود سالم و"رجل المستحيل" للكاتب نبيل فاروق من أكثر الأعمال رواجًا وقراءة من قبل فئات عمرية مختلفة لكن تلك الأعمال لم توضع نقديًا على الطاولة ذاتها التي ضمت أعمال كبار الكُتاب مثل نجيب محفوظ ويوسف السباعي ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم، والذين استفادوا من ثيمات تتعلق بالجريمة في أعمالهم مثلما نجد في "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ" و "يوميات نائب في الأرياف" وغير ذلك من الأعمال.

كانت انطلاقة مراد قوية؛ فقد أعاد البريق لأدب الجريمة ووضعه في الصدارة واستقبله قراؤه بترحاب مُبشرين بكاتب يُقدّم لهم ما تشوقوا كثيرًا لقراءته. مقروئية ذلك الجنس الأدبي لا مجال للشك فيها، فجرعة الإثارة المرتفعة التي تُقدمها مع ما تتيحه من قراءة سهلة وسريعة وجذابة تجعل القارئ يحبس أنفاسه في انتظار حل اللغز أو فهمه، تجعل من ذلك النمط من الأعمال الأدبية رحلة متعة لا تقل عن مشاهدة الأفلام البوليسية.

ولكن طموح مراد الأدبي كان أكبر من أن يُحدد فقط في نطاق عالم الجريمة، من هنا انطلق في أعماله التالية "1919" و"أرض الإله" إلى منطقة البحث التاريخي مُستفيدًا من خبرته في صياغة الحبكة البوليسية، وفي روايته ما قبل الأخيرة "موسم صيد الغزلان" قدّم عملًا ديستوبيًا عن مصير الدين والعلم في المُستقبل، وهو ما استقبله متابعوه وقراؤه بكثير من الاستهجان واستقبلته مؤسسة النقد بمزيد من التجاهل، ليتجاوز مراد الطرفين ويُقدّم روايته الصادرة منذ أيام عن دار الشروق "لوكاندة بير الوطاويط" مازجًا بين عالميه الأثيرين: التاريخ والجريمة.

ثمة أزمة حقيقية ستظل قائمة ما لم يتجاوز النقد الأدبي تعاليه ويدرس هذا الاتجاه الأدبي المتنامي بقوة. ثمة جهد لا يجوز إنكاره يقوم به أحمد مراد في كتاباته، بحث وقراءة في مجالات مُختلفة كي لا يُقدم معلومات مغلوطة، واجتهادات في تقنيات الكتابة الأدبية يحاول تطويرها من عمل لآخر، وتنوع في الموضوعات والمجالات كي لا يظل محصورًا في اتجاه بعينه. كل ذلك يجرى بتخطيط وتنظيم دؤوب وفكر مُرتب يمكن تلمس بعض ملامحه في برنامج "التوليفة" الذي يُقدّمه أحمد مراد على إذاعة إف أم، ويستعرض فيه بعض النصائح من وجهة نظره في عملية الكتابة الإبداعية، وهي، اتفقت أو اختلفت معها، تدل على عقلية منظمة ومرتبة تعرف إلى أين تتجه ولا تأبه كثيرًا بالمنتقدين.

ما أوجه تميز أعمال مراد وما أوجه الضعف الفنية والثيماتية في أعماله؟ أسئلة ينبغي أن يعنى بها النقد الأدبي مُستقبلًا ويكف عن تجاهلها والتعالي عليها، فذلك التيار الأدبي المتنامي قد يُغير ملامح الأدب التقليدي وربما يمحيها لتصير جزءًا من التراث ما لم تكن ثمة وقفات أمام هناته كما مميزاته، ليوضع في إطاره الصحيح ومكانته التي تستحق ولكي يتمكن القراء من التعرف إلى أبعاد أخرى في تلك الأعمال التي انبهروا بها لم يكن ليقيض لهم الالتفات لها دون دراسة جديّة ومتعمقة.

بعد يومين من إعلان طرح رواية أحمد مراد الجديدة "لوكاندة بير الوطاويط"، طفت فورًا على السطح نُسخًا الكترونية مُقرصنة من الرواية وامتلأ اليوتيوب بعشرات الفيديوهات التي تتحدث عن الرواية واكتظت مواقع تقييم الكُتب بعشرات المراجعات لرواية مُراد الجديدة فيما ظهر الكاتب في أكثر من فيديو لتوقيع الرواية والحديث عنها لجمهوره، تلك المشاهد تبدو استثنائية وغير مألوفة في عالم القراءة الذي قد ينشر فيه عشرات الأدباء روايات مُتتالية دون أن ينبس أحدهم بنبت شفة عنها، ولكن هل ثمة ما هو ما وراء تلك الضجة؟ أم أنه ضجيج بلا طحين؟

المواقف المُسبقة ظالمة للقارئ والكاتب معًا، فهي تحرم القارئ من مُتعة أو معرفة محتملة كما أنها قد تضع الكاتب في قفص اتهام ولا تسمح بسماع دفاعه أو على العكس تجعله يعتلي العرش ولا تُسمِعه نقدًا وفي الحالتين هو مظلوم. بات أحمد مراد في هذا الموضع رُغمًا عنه؛ هو على عرش المحبة والتفوق عند مُحبيه وفي قفص الاتهام عند الرافضين له، وهي آفة ربما لا تصيب "مراد" وحده ولكنه هوس التصنيف؛ اللعنة التي تعيش فيها مجتمعاتنا.

تبدأ الرواية من الغلاف: "في عام 2019 وأثناء ترميم "لوكاندة بير الوطاويط" المجاورة لمسجد "أحمد بن طولون" بحي "السيدة زينب" تم العثور على يوميات تعود إلى سنة 1865م، مدفونة وراء حائط الغرفة 7 بالطابق الثالث بمبنى اللوكاندة، ومحفوظة بشكل جيد. يضم هذا الكتاب اليوميات من نمرة "34" إلى "53" دون حذف أو تنقيح، وهي اليوميات الوحيدة التي تصلح للنشر. أرّخ فيها مصوّر الموتى سليمان أفندي السيوفي لسنوات ما قبل إنشاء جهاز بوليس منظم، حين تم تكليفه بتقصي الحقيقة حول مصرع أحد الباشوات بطريقة شنيعة، وبخبرته الموروثة في تحليل مسرح الجريمة، يكتشف أن الوفاة وراءها قتل عمد، وفاعل ترك مع ضحيته تذكارًا، قبل أن يكتشف تلك الجريمة، ليست سوى الجريمة الأولى في سلسة من الاغتيالات، أدرك دون مجهود أنها ستنتهي به".

رغم أن تلك الفقرة هي مفتاح فهم تكنيك كتابة الرواية إلا أنها لا تظهر في متن الرواية، ولا يظهر أي تفسير لمحتواها داخلها لتوضيح لماذا هذه اليوميات هي الوحيدة الصالحة للنشر؟ ولماذا هي منشورة دون حذف أو تنقيح؟ وهما مسألتان لهما من الأثر السلبي على النص الأدبي ما يمكننا تفصيله؛ فتحت ذريعة "منشورة دون حذف أو تنقيح" يمكن تبرير العديد من مشكلات السرد والهنات داخل النص الأدبي، كما أن مسألة "اليوميات الوحيدة الصالحة للنشر" جعل شخصيات الرواية على درجة من عدم الوضوح إن لم يكن السطحية، بعدما أُغفلت الكثير من المعلومات حول شخصية العمل الرئيسية.

تدور أحداث الرواية في القرن التاسع عشر وتحديدًا في فترة حكم الخديوي إسماعيل لمصر، إذ يتم تكليف مُصور الموتى "سليمان السيوفي"، وهي مهنة سادت في تلك الفترة، بالتحقيق في سلسلة من جرائم القتل البشعة التي يقف خلفها قاتل واحد. يمزج مراد في الرواية ما بين عناية بتفاصيل تاريخية دقيقة لتلك الفترة مع حياكة عوالم الجريمة وتتبع القاتل فضلًا عن اهتمام بأبعاد فنتازية لشخوص أعماله مثل "قشطة" العبدة الأفريقية ذات الذيل، و"عنتر" الذبابة الضخمة التي تتحدث مع البطل وتُلهمه. ولأن الصنعة وحدها لا تكفي لإنتاج عمل أدبي جيد فقد تكالبت كل التفاصيل المدققة بعناية على صناعة عمل مهلهل وغير مُحكم البناء.

إن توقفنا قليلًا أمام عنوان الرواية "لوكاندة بير الوطاويط" الذي يُعد العتبة الأولى لفهم النص والولوج إلى عالمه، سنجد أن اختياره جاء لأغراض دعائية وليس فنيّة، فما يوحي به العنوان من الغموض والترقب والتساؤل هو ما أثار الكاتب ليضعه عنوانًا لنصه لكنه فنيًا لا يتناسب مع النص الأدبي الذي يدور حول شخصية "سليمان السيوفي" وتحقيقاته في جرائم القتل الغامضة، فلا تمثل "لوكاندة بير الوطاويط" سوى المكان الذي يقيم فيه السيوفي والذي لا يشهد أي حدث مهم في إطار الرواية.

ورغم أنه في العمل الأدبي من المفترض ألا تُساق الأحداث أو الشخصيات أو تُزرع التفاصيل بشكل مجاني دون أن ينتج عنها شيء في بقية النص، وتصير تلك الفرضية ضرورة أساسية في "أدب الجريمة"، فإن أحمد مراد في روايته "لوكاندة بير الوطاويط" يسرد العديد من التفاصيل دون داع يُذكر، يُبالغ في الفنتازيا دون أن يكون لها أثرُ في رؤية النص، ويُمعن في استعراض المعلومات التاريخية وإقحامها في كثير من المواضع دون مغزى يذكر. تتلاحق الأحداث وتتابع وربما تجعل بعض القراء في شغف لمتابعة ما سيحدث لاحقًا، لكنني لم أجد أبدًا إجابة على سؤال "لماذا" في هذه الرواية؟ لماذا تُقدّم تلك الرواية في تلك الفترة التاريخية وبتلك التفاصيل وما المغزى من ذلك؟ ولماذا يأتي البطل على تلك الهيئة التقليدية من عدم الاتزان والهلاوس؟ وما الداعي للهيئة السريالية التي تُغلف العالم من حوله؟

أهم أخبار منوعات

Comments

عاجل