المحتوى الرئيسى

لا ينقصنا الوعي، ينقصنا كل شيء

04/23 22:55

" فقدتُ إبنين وعين، مم أخاف؟ " هذا ما قالته (سميّة) عندما سألتها عن مدى معرفتها بفيروس كورونا، وعمّا إذا كانت تتخذ أية إجراءات وقائية لعدم الإصابة به.

تجلس سمية، وهي سيدة في الأربعينيات، كلّ يوم في سوق الخضرة بحي القزازين في دمشق وأمامها بسطة لبيع الخضار الموسمية والأعشاب المتنوعة التي تكثر في هذا الفصل من كل عام، وسط حارة شعبية تمتد بين شارع بغداد وحي العمارة، والتي تعتبر مركزًا تجاريًا هامًا لبيع الخضار والفواكه والمواد الغذائية شرق العاصمة دمشق، ما جعلها أقل تأثّرًا بقرار الحظر الجزئي الذي أقرته الحكومة السورية كإجراء وقائي لمنع انتشار فيروس كورونا الذي انتشر في جميع بلاد العالم.

تقول سمية وهي ترتّب باقات البابونج البلدي: "يلي تغيّر بالسوق أشكال البياعين من أصحاب المحلات تحديدًا بعد ما انفرض عليهم يلبسوا الكفوف والكمامات، والأسعار يلي ارتفعت بشكل جنوني، أما نحنا أصحاب البسطات ما تغيير علينا شي، بصعوبة قدرت أعرف أبو أحمد صاحب الملحمة يلي بفرد بضاعتي على باب محلو بعد ما حط الكمامة الزرقا يلي ما بدلها من 3 أسابيع. وقلتلو يومها: شو أبو أحمد الله هداك وحطيت النقاب ولبست الكفوف، باقي تنزّل شوي بسعر اللحمة وتبيع الناس بنور الله ومصيرك الجنة بإذن الله"

خسرتْ سمية إبنين من أولادها الأربعة أثر انفجار قذيفة هاون قربهم في حي الشاغور الدمشقي عندما كانت بطريقها لزيارة إلى بيت أهلها عام 2017، كما فقدتْ نظرها في عينها اليمنى لدخول شظية فيها. تتذكر الحادثة بأسى وتقول: "هيك الله كاتبلنا وهاد قدر ولادي يكونو عصافير بالجنة، بس زوجي شو ذنبي ما أعرف عنو شي وما أعرف مصيرو؟"

زوج سمية كان قد اختفى منذ عام 2014، آخر ما تعرفه عنه هو توجهه لسوق الهال ليبتاع البضائع ولم يعد، احتمالات كثيرة وضعتها سمية وعائلتها تنوعت ما بين اعتقاله أو خطفه، تشرح قائلة: "ما تركنا فرع أمني إلا وسألناهم عنو ويقولوا مو موجود، وما حدا اتصل ليطلب فدية، مين بدو يخطف رجّال درويش؟ ياريتني سمعت منو وهربنا على تركيا "

سمية لا تخاف من فيروس كورونا، وتعتبر أن امتحان الله لعباده بالأوبئة فرصة للتكفير عن الذنوب ولامتحان صبرهم وعبادتهم، بل وتعتبر نفسها أكثر حظًا من غيرها لاستمرارها في عملها اليومي الذي لو توقف لكانت ماتت هي وأبنائها من الجوع قبل الموت بكورونا، حالها حال معظم السوريين.

وعن تعليقها على نصائح التباعد المكاني حتى ضمن البيت الواحد والتي تنصح بها منظمة الصحة العالمية وحملات التوعية تقول: " تتفضل منظمة الصحة وكل يلي عم ينصحونا زيارة على العشوائيات ويشوفو الناس كيف عايشة، أنا بشكر ربي اني ساكنة بالشام بغرفة وحدة مع ولادي بالبيت العربي الكبير يلي ساكن فيه 4 عيل، نحنا منفهم عليهم ومو ناقصنا وعي، بس هم ياترى فهمانين أنو هاد الشي كتير صعب يتطبّق عند الناس المعتّرة؟ "

عبثية وسوء تنظيم في تطبيق الإجراءات الوقائية

إجراءات وقائية للحد من انتشار فيروس كورونا بناءً على توصيات منظمة الصحة العالمية والتي أكدت على ضرورة تطبيق الحظر المنزلي والتباعد الاجتماعي والمكاني، طُبِّقَت في أرجاء مناطق البلاد المتعددة السيطرة، بإقرار من جميع الأطراف بضعف المنظومة الصحية والطبية الشديد نتيجة سنوات الحرب الطويلة التي أنهكت سوريا.

الحكومة السورية بدأت بتطبيق الإجراءات الوقائية في بداية شهر آذار/ مارس قبل ثلاثة أسابيع من إعلان الحالة الأولى بشكل تدريجي. شملت بداية تعليق الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعليق الدوام في المدارس والجامعات، وتخفيض دوام المؤسسات الحكومية قبل أن تتوقف بشكل كامل لاحقًا مع مراعاة استمرار العمل في القطاعات الإنتاجية والخدمية، لتقرر فيما بعد فرض حظر تجول جزئي من الساعة السادسة مساء وحتى السادسة صباحا مع حظر التنقلات بين المحافظات والأرياف ومراكز المدن وإغلاق الحدود بشكل كامل والتشديد على من يدخل البلاد بطرق غير شرعية، وحملات للتعقيم وتجهيز مراكز للحجر الصحي والعلاج، بالإضافة لإغلاق الأسواق التجارية ماعدا المتاجر الغذائية والصيدليات وإغلاق دور العبادة وكل المرافق التي تحوي تجمّعات، الأمر الذي أثر بشكل سلبي على الأوضاع الاقتصادية لأكثرية المواطنين في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار وبشكل خاص على من يرتبط عمله اليومي بكسب رزقه، لتقرر لاحقاً السماح للمتاجر وأصحاب المهن بإعادة فتح متاجرهم وفق جدول أيام محدد لكل مهنة، في حين بقي الازدحام في ساعات النهار على مراكز بيع الخبر والمؤسسات الاستهلاكية والمصارف الآلية ما دفع العديد للتساؤل عن جدوى هذه الإجراءات وحملات التوعية عن ضرورة التباعد إذا بقي الازدحام كثيفًا في هذه النقاط، خاصة بعد انتشار العديد من الصور عن تجمع مئات المواطنين في المصارف بتاريخ 29 آذار/ مارس الماضي لاستلام رواتبهم قبل يوم من قرار منع التنقل بين الأرياف ومراكز المدن، ما أثبت سوء إدارة وتنسيق وتخبط في تنفيذ الإجراءات الوقائية حسب حديث الشارع السوري.

السلطات الصحية في العراق كانت قد أعلنت في 29 آذار/مارس الماضي عن إصابة 11 شخص في مدينة كربلاء و4 حالات في النجف كانوا قد عادوا من دمشق من زيارات المقامات الدينية، حيث استمرت هذه المقامات باستقبال الحجاج إليها حتى منتصف شهر آذار تقريبا. كما أعلنت باكستان عن 6 إصابات قادمة من سوريا عن طريق الدوحة.

 ووصف ممثل منظمة الصحة العالمية في سورية نعمة سيد عبد أن الوضع في سورية خطير، وأن الحديث يدور عن مقام السيدة زينب ومرقد السيدة رقية في دمشق، وهما قبلة لعديد من الزوار من دول المنطقة التي ظهرت فيها الجائحة على نطاق واسع، مما دفع الحكومة السورية لإعلان عزل منطقة السيدة زينب التي تحوي مقام السيدة زينب الذي يؤمه آلاف الزوار الشيعة من كل البلدان بشكل كامل كإجراء احترازي، في حين يتهامس البعض عن مدى جدية تطبيق هذا العزل بسبب استمرار قدوم بعض سكان هذه المنطقة إلى دمشق لحيازتهم تصاريح تسمح بحرية التنقل والمرور. ما يعني زيادة احتمال انتقال العدوى إلى دمشق الذي ثبت تسجيل إصابات فيها وتم أخذ ما يقارب 3850 مسحة حتى الآن من قاطنيها . وكانت الحكومة السورية تتحفظ عادةً عن تحديد المحافظات والمناطق التي ثبت فيها الإصابات الـ 42 المعلن عنها من قبلها ومن ضمنها ثلاث وفيات حتى تاريخ إعداد هذه المادة.

بالإضافة لتطبيق حجر كامل لبلدة منين في ريف دمشق بسبب وفاة مريضة ثبتت إصابتها بفيروس كورونا وأخذ 850 مسحة من السكان . وحجر جزئي في كل من بلدتي جرمانا وصيدنايا في ريف دمشق دون تفاصيل عن تسجيل أي إصابات فيهما.

لكن المنظمات الأممية تقول إن العدد الحقيقي للإصابات في سوريا قد يكون أكبر بكثير في ظل ضعف قدرة المنظومة الصحية على إجراء الفحوصات الطبية الكافية.

كيف يعيش السوريون هذه المرحلة؟

لم يختبر السوريون إجراءات منع التجول في أقسى أيام الحرب التي مرّت عليهم خلال تسع سنوات مضت ولا من قبلها، ويبدو أن إحساسهم بالخوف والخطر من هذا الفيروس غير المرئي ضئيل أمام ما عاشوه من ويلاتٍ خاصة أن المرض لم يصل لذروته في سوريا بعد.

المواطن السوري بات واضحًا فقدانه ثقته بالحكومة التي ما زالت تتخبط بإصدار قراراتها التجريبية من ناحية بيع السلع الاستهلاكية الأساسية كالأرز والسكر والزيت والشاي والمحروقات عبر البطاقة الذكية التي استنفذت صبر الشعب، والتي يقبل السوريون على شرائها من مؤسسات الدولة لفرق الأسعار بينها وبين أسعار هذه المواد في حال شرائها بشكل حر لاستمرار احتكار التجار لها والتحكم بأسعارها دون ضوابط.

تجارب الحكومة السورية في تأمين الخبز للشعب بسعره المدعوم من قبلها بلغت ذروتها في الأسبوعين الأخيرين، حيث تسعى لتخفيف ازدحام الناس على الأفران ونقاط بيع الخبز خوفًا من انتشار الوباء لكنها فشلت، فالقرارات جاءت بشكل غير مدروس ومتخبّط، خاصة بعد إعلانها الأخير عن تجربة بيع الخبز عبر البطاقة العائلية الذكية أيضًا ما أثار غضب الشارع السوري الذي يعتبر كل هذه القرارات إمعانًا في الذل وانتقاص الكرامة، وسط عجز الأغلبية عن شراء الخبز الحرّ السياحي الذي يزيد سعره 16 ضعف عن سعر الخبز المدعوم للربطة الواحدة.

وكانت أسعار الكمامات والكفوف والمطهّرات قد ارتفعت بنسبة 5000% ما يجعل أغلبية الشعب السوري غير قادر على شرائها في ظل ارتفاع معدل الفقر الشديد والبطالة، إذ تجاوزت نسبة الفقر في سوريا 83% حسب تقارير الأمم المتحدة.

كما أن البقاء بالمنزل خلال ساعات الحظر الجزئي أكثر صعوبة عليهم للانقطاع الطويل للتيار الكهربائي وضعف سرعة شبكة الإنترنت.

حالات العنف ضد المرأة زادت بشكل ملحوظ دون التمكن من الحصول على إحصاءات رسمية بعددها، أما حالات الطلاق فزادت بشكل تقديري خمسة أضعاف حسب مصدر في وزارة الأوقاف.

المنظمات الأممية تحذّر من كارثة وشيكة

بحسب منظمة الصحة العالمية، لا تعمل في سوريا الآن سوى 64% من المستشفيات و52% من مراكز الرعاية الصحية حتى نهاية 2019، كما أن 70% من العاملين الصحيين قد غادروا البلاد.

وقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا جير بيدرسن إن الفيروس "لا يفرق بين من يعيشون في مناطق تحت سيطرة الحكومة أو في مناطق أخرى"، مشددًا على أن الشعب السوري يحتاج "بشكل عاجل إلى فترة هدوء متصلة في كافة أنحاء البلد تلتزم بها كافة الأطراف"، كما طالب بالإفراج عن "أعداد كبيرة من المعتقلين والمختطفين والسماح بشكل فوري لأسباب إنسانية للمنظمات الإنسانية بزيارة مراكز الاعتقال".

هذا ما دفع دمشق وحلفائها لرفع رسالة مشتركة للأمين العام للأمم المتحدة بهدف رفع العقوبات عن سوريا لمواجهة تحديات انتشار فيروس كورونا.

الشعب السوري بجميع مناطقه وأطيافه ما زال يعاني من آثار الحرب وتداعياتها التي جعلت من إحساسه بالخوف والخطر مخدّرًا تجاه مرض لم يتفش بعد بين صفوفه بشكل كبير، ومنهم سمية التي تلملم بضاعتها وتستعد للعودة إلى دارها تردد جملة اعتاد معظم الشعب السوري قولها طوال سنوات الحرب قائلة:

أهم أخبار متابعات

Comments

عاجل