المحتوى الرئيسى

هل تأثرت أخلاق المصريين بكورونا؟

04/23 20:51

مرت على مصر العديد من الأوبئة والأزمات على مر العصور، مثل الشدة المستنصرية التى دفعت المصريين لأكل لحوم بعضهم البعض إلى انتشار الملاريا والكوليرا وأمراض كثيرة عانى منها المصريون سنوات طويلة.. الشدة المستنصرية استمرت نحو 7 سنوات، وذلك بسبب انخفاض منسوب مياه النهر وجفاف الأراضى الزراعية، وفقد الناس لأعمالهم حتى أصبحت الأموال لا قيمة لها فى زمن المستنصر بالله الفاطمى، التى عاشت مصر فى بداية عهده فى رخاء وازدهار، لم تكن الشدة المستنصرية الأزمة الاقتصادية الأولى التى ضربت مصر وسارع التجار فيها لتجويع السوق وتخزين الغذاء.. ولكن لماذا أذكر الشدة المستنصرية؟ لأن مصر استطاعت أن تستعيد قوتها مرة أخرى ففاض نهر النيل من جديد وانقشعت الغمة، وهذه الكوارث كلها عبرتها مصر بأمان وسوف تعبر هذه الأزمة أيضا.

فى هذه الفترات المظلمة كتلك الجائحة التى نعانى منها الآن، تظهر أخلاقيات الناس، مثل ما حدث فى الشدة المستنصرية، ولكن بشكل أخف كثيرا، لأن المصريين أصبحوا أكثر تحضرا من قبل، ولكن هناك بعض السلبيات مثل ما حدث من أبناء قرية «شبرا البهو» فى الدقهلية، عندما رفض الأهالى دفن إحدى الطبيبات التى لاقت ربها بسبب الكورونا، وفى المقابل فى قرى أخرى وقف الناس يودعون موتاهم فى مظهر مهيب ومتحضر احتراما لهيبة الموت، وفيما بعد تنبه بعض شباب قرية «شبرا البهو»، وأعادوا الكرامة للطبيبة، وأطلقوا اسمها على إحدى المدارس، وقبض على من تسبب فى هذه المهزلة، وبذلك تم تصحيح الواقعة، هذه الحادثة فارقة؛ حيث بينت أن غياب الثقافة وعدم توعية الناس بالآثار المترتبة على عدم دفن ضحايا كورونا بشكل علمى وموثق هو السبب لخروج الناس بشكل همجى وغير إنسانى، فالتوعية والثقافة فى هذه المرحلة مهمة للغاية.

من الإيجابيات لأخلاق الناس أيضا قيام الشباب بتشكيل لجان لنشر الوعى وتقديم المساعدات اللازمة للوقاية وتشكيل لجان لإدارة الأزمة فى بورسعيد مثلا وغيرها من المدن، وكان ذلك عاملا فاعلا فى تجنب الكثير من المشكلات، إلى جانب تقديرنا لما يقوم به الجيش المصرى فى توزيع مستلزمات الوقاية، وليس هذا كافيا وحده، فيجب أن تشارك الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى فى المساهمة لمقاومة هذا الفيروس.

من المظاهر غير المستحبة لهذه المرحلة تجمُّع الناس بدون وسائل الوقاية فى الأسواق والشوارع بشكل ينم عن استهتار غير طبيعى بتبعات هذه الأفعال.. ومن شواهدى ذهبت إلى المعادى فى لقاء سريع وفى طريق العودة ــ نحو الثانية ظهرا ــ كانت الشوارع مكتظة بشكل غير مسبوق، وقطعت المسافة بين المعادى وبيتى فى قصر العينى فى نحو ساعتين ونصف، وفى رجوعى مررت على منطقة السيدة عائشة وكانت المأساة متجسدة بداية من الزحام، وإهمال وسائل الحماية بشكل يزيد من انتشار العدوى بشكل أسرع مما نتخيل.. هناك بعض المشاريع الجيدة التى تقوم على مشاركة الناس للتصدى لهذه الكارثة، مثل أن يهتم سكان كل شارع بأهمية نظافة شوارعهم وأسطح العمارات، فهذه فرصة ذهبية لتخليص أسطح العمارات من هذا العوار الذى نشاهده إذا كنا نشاهد القاهرة من المبانى العالية، هذا المنظر لا يوجد فى العالم قاطبة، وعلى المجتمع المدنى مراقبة ذلك وإبلاغ المسئولين عن المخالفات التى يقوم بها السكان المستهترون.. أما فى تجربة التعليم عن بعد فمن أحد سلبياته محاولة بعض المعلمين استغلال الفرصة لبيع الموضوعات التى قررتها وزارة التربية والتعليم على الصف الثالث الابتدائى للصف الثالث الإعدادى، ويجب أن تتصدى الوزارة لهذا العبث ومعاقبة من يفعل ذلك، لأن بعض الجشعين استبدلوا غلق مراكز الدروس الخاصة بمحاولة بيع موضوعات الامتحانات.

سوف نخرج من هذه التجربة ونحن أكثر وعيا بالمشاركة، المشاركة لدرء الخطر والمشاركة للتعاون مع الآخرين.. فيروس كورونا أثبت مدى هشاشة الفرد، ونحتاج جميعا أن نتكاتف بشكل إنسانى تأكيدا على فكرة المساواة بين البشر بغض النظر عن الدين أو المذهب أو العقيدة، فهل ستعود مباريات الكرة كالسابق وبهذه الأعداد المهولة؟ وهل سوف يتوقف الناس عن السلام بالأيدى والقبل والتصرفات الحميمية بين الأفراد؟ وأعتقد أن المؤتمرات وورش العمل ستكون online، وسوف تقل النزاعات الطائفية والعنصرية، وسوف يتعلم الناس أن الثروة والجاه لن تستطيع أن تقاوم الأوبئة فيخف تعالى الأثرياء، ويصبحون أكثر تواضعا ورحمة، وأن التكافل الذى يحمى الفقراء يجب أن يكون من أولوياتهم، وأعتقد أن الناس سوف تتغير عاداتها الاستهلاكية لما سوف يشهده العالم من تباطؤ فى الاقتصاد وخلافه.. ونتيجة لضعف الحكومات فى مقاومة الفيروس فسوف تزيد اهتمامات الناس بمنظمات المجتمع المدنى وسينضمون إليها كصورة من صور التضامن، وأعتقد أن القرب من الأسر وبعضها البعض سوف يكون له آثار سلبية وإيجابية.. يعتقد الناس أن الحريات الفردية سوف تتراجع، فهل سيكون النظام الشمولى فى الصين هو النموذج؟ وأعتقد أن دعوات منع التدخين سوف تزداد انتشارا، وسيستجيب الناس لأن الفيروس يهاجم المدخنين أكثر من أى فئة أخرى، وأعتقد أن المناخ ليس مهيأ لعمل حفلات الزفاف الفاخرة فى حين تنشر إعلانات نعى الوفيات بأرقام ضخمة.. سيعد ذلك سفها يقابله الناس بالغضب الشديد.

إن الأثر الذى سوف تتركه هذه الجائحة خطير وسيغير من أخلاق المصريين، لذلك ندعو علماء النفس والتربويين إلى الإسراع لرصد ما حدث فى أخلاقيات المصريين ومواجهته بطرق علمية قابلة للتنفيذ، لأن الآثار النفسية، وليست الأخلاقية فقط، سوف تؤثر تأثيرا بالغا فى حياة المصريين، لأن الناس سوف تخرج من الجائحة ليعانى معظمهم من الاضطراب النفسى بسبب عدم الخروج والمشاركة فى الحياة الاجتماعية التى انحصرت فى التواصل الإلكترونى الذى كنا نعانى من آثاره قبل الجائحة، وزاد تعلق الناس به أكثر لأنه النافذة الوحيدة التى يطلون منها على العالم الخارجى، إلى جانب ما ألقاه تتبع أخبار الجائحة من عبء ثقيل على العقول.. نحن نواجه أخلاقيات جديدة يجب أن ننتبه لها ونعد العدة لاحتوائها وتغييرها من السالب إلى الموجب لبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان

أهم أخبار مقالات

Comments

عاجل