كيف تنمي المهارات القيادية لطفلك؟

كيف تنمي المهارات القيادية لطفلك؟

منذ 4 سنوات

كيف تنمي المهارات القيادية لطفلك؟

\nهذه روابط خارجية وستفتح في نافذة جديدة\nربما لاحظت، في يوم ما، كيف يضطلع زملاؤك - دون عناء - بمهام قيادية، وكأنهم خُلِقوا لذلك. فهم يوجهون بثقة أوامرهم للآخرين، ويسعدهم تحمل مسؤوليات لا تنتهي. ويختلف الأمر تماما بالنسبة لآخرين، إذ يبدون حمقى عندما يتولون مثل هذه الأدوار، وحينما يصدرون أوامر لمرؤوسيهم، كما يخيم إحساسهم المزعج بالافتقار للثقة في النفس، على كل قرار يتخذونه.\nإذا كنت تنتمي للفئة الثانية، فربما يعنّ لك أن تتساءل عن السبب، الذي يجعلك تشعر بالخوف، لمجرد التفكير في أنك قد تتولى، في وقت ما، دورا قياديا، ولِمَ يصعب عليك حتى، أن تتصور نفسك وقد أصبحت مديرا في مكان عملك.\nوكما هو الحال مع مختلف جوانب الطبيعة البشرية، تقريبا، يكمن جانب من الإجابة على هذا السؤال، في النزعات والميول التي يرثها المرء من أسلافه. فإذا كان والداه خجولين للغاية مثلا، تزداد فرص أن يتسم هو الآخر بهذه الخصلة. لكن ذلك العامل لا يكفي وحده، على الإطلاق، لكي يفسر بشكل كامل المسألة برمتها. فعلماء النفس يدركون أهمية التجارب التي يمر بها الإنسان، خلال سنوات عمره المبكرة، في تكوين شخصيته. ويتمثل الأمر المحوري هنا، في الطريقة التي يتصرف بها الأبوان مع أطفالهما.\nفإذا كان الأب والأم يفرطان في إسباغ الحماية على الطفل، قد يقوض ذلك فرصه في أن يكون ذا شخصية قيادية في المستقبل.\nوفي الغرب، يُعرف هذا النهج في تنشئة الأبناء، باسم "التربية على طريقة الطائرة المروحية"، في إشارةٍ إلى أن الآباء والأمهات الذين يتبعونه، يبقون قريبين، بشكل مبالغ فيه، من أبنائهم وكأنهم يحومون حولهم، سواء كانوا هم في حاجة إلى ذلك أم لا.\nورغم أن الأب والأم غالبا ما يمضيان على هذا الدرب بنية حسنة، للاطمئنان، مثلا، على أنك لن تواجه مشكلات أو عقبات، فإن ذلك لا يمنع من إمكانية أن يُخلّف هذا الأسلوب، ولسوء الحظ، آثارا جانبية غير مقصودة وغير مفيدة في الوقت نفسه.\nمن بين هذه التأثيرات، كما تقول جوديث لوك، الطبيبة النفسية والزميلة الزائرة في جامعة كوينزلاند للتقنية في استراليا، أن "تقل ثقتك في نفسك وقدرتك على مواجهة الصعاب، وهو ما يقود بالتالي إلى أن تصبح أقل كفاءة على صعيد إبداء مهارات قيادية".\nوتضمنت دراسة أجرتها لوك في هذا الشأن، استطلاع آراء خبراء في تربية الأطفال ومستشارين تربويين يعملون في المدارس، وذلك للتعرف بشكل دقيق على طبيعة نهج "التربية على طريقة الطائرة المروحية"، الذي يُعرف كذلك بـ "الإفراط في الأبوة".\nوتشير النتائج التي خَلُصَت إليها هذه الدراسة، إلى أن هذا النمط من التربية، يتسم بمزيج من ثلاثة عوامل: أن يكون الوالدان متجاوبيْن للغاية مع طفلهما، ومتساهليْن معه بشدة في بعض الحالات، ويثقلانه أيضا بالمطالب في مواقف أخرى.\nوبحسب الدراسة، من المرجح أن يسبغ الأب أو الأم في هذه الحالة، الحماية بشكل مفرط على الطفل، ويهتمان به للغاية ويؤمنان بأنه دائما على صواب. فضلا عن هذا، يحاول الآباء والأمهات الذين يتبعون ذاك النهج، القيام بكل شيء للطفل بدلا من توقع اضطلاعه بأموره بنفسه.\nوقد يتوقع الأبوان، أيضا، أن ينهمك أصدقاء الطفل ومعلموه، بدورهم، في بذل كل ما في وسعهم للتكيف مع رغباته واحتياجاته. في الوقت نفسه، يتصف من ينضوون تحت لواء هذه الفئة بأنهم كثيرو المطالب من أطفالهم، أي أن تكون للأب والأم توقعات عالية لما يفترض أن ينجزه طفلهما، ويحشدان أوقات يومه بالأنشطة، ويرغبان في أن يكون صديقا لهما وعلى اتصال مستمر بهما طوال الوقت.\nوقد أُجريت في الصين أحدث دراسة تتناول كيف يمكن أن يؤدي التدليل الشديد للطفل إلى كبح جماح مهاراته القيادية. وشملت الدراسة، التي أجرتها الباحثة، يوفانغ بي إن، وزملاؤها في إحدى جامعات بكين، قرابة 1500 مراهق من طلاب 13 مدرسة في المدينة، يبلغ متوسط أعمارهم نحو 14 عاما.\nوقيّم فريق البحث، خلال الدراسة، القدرات القيادية الكامنة لدى أفراد العينة، من خلال عدة خطوات، بدأت بطرح أسئلة على أقرانهم ومعلميهم وذويهم، لمعرفة ما إذا كان هؤلاء يرون أن لدى المبحوثين شخصية قيادية فعالة أم لا.\nوتمثلت الخطوة الثانية في التحقق مما إذا كان المراهقون الخاضعون للبحث، يضطلعون، على أرض الواقع، بأي أدوار قيادية بالفعل من عدمه. في الوقت نفسه، طُلِبَ من أفراد العينة، توضيح ما إذا كان ذووهم قد اتبعوا معهم نهج تربية مُفرطا في الاهتمام والاعتناء بهم أم لا. كما شملت الدراسة طرح أسئلة على هؤلاء الصبية، للتعرف على مدى تقدير كل منهم لذاته، وأيضا مدى ثقته في إمكانية أن يصبح ذا دور قيادي في ما بعد.\nوفي نهاية المطاف، وبعد أن جَنّبَ فريق البحث تأثير عوامل مثل الخلفية الاقتصادية والاجتماعية لأسرة المبحوث وما حققه كل منهم في المجال الدراسي، تمكن الباحثون من الوصول إلى استخلاص مفاده بأنه كلما كان الآباء يوفرون الحماية بشكل أكثر من اللازم لأبنائهم، تراجعت فرص هؤلاء الأبناء، في أن يُنظر إليهم على أنهم ذوو قدرات قيادية كامنة، وبات أيضا من غير المرجح - بشكل أكبر - أن تُسند لهم أدوار قيادية على أرض الواقع.\nوأشارت النتائج إلى حقيقة أن المراهقين الذين يحظون بآباء يفرطون في الاهتمام بهم، يميلون لأن يكونوا أقل تقديرا لذواتهم، وهو ما يرتبط بدوره بإحساسهم بثقة أقل في إمكانية أن يضطلعوا بدور قيادي.\nوقالت بي إن وفريقها إن النتائج التي توصلوا إليها، تعزز فكرة مفادها بأن الإفراط في شيء إيجابي ما ربما يكون مضرا. وأشارت في هذا الصدد: "الإفراط في القيام بمهام الأبوة بما ينطوي على ذلك من كبح لتطور نمو مهارات الطفل على صعيد التمتع بالاستقلالية والقدرة على حل المشكلات، يُخلّف أثرا سلبيا على نموه النفسي والاجتماعي، وهو ضرر لا يختلف عن ذاك الذي ينتج عن افتقار الطفل للقدر الملائم من الرعاية والعناية من جانب أبويه".\nومن بين التأثيرات السلبية المحتملة الأخرى للإفراط بالاهتمام بالأبناء، إمكانية أن يُحْدِث ذلك تأثيرا مدمرا لشخصيتهم، في ضوء أنه يوحي إليهم بأنهم غير قادرين على التصرف بشكل مستقل، وأن ذويهم لا يثقون في قدرتهم على تدبير أمورهم بأنفسهم، ناهيك بالطبع عن أن يهتموا بشؤون الآخرين أو يعتنوا بهم.\nلكن تجدر هنا الإشارة، إلى ضرورة التعامل بحيطة وحذر مع نتائج هذه الدراسة، في ضوء أنها تقوم - بحسب تصميمها العلمي - على الملاحظة، وهو ما يعني أن استخلاصاتها لا تثبت أن "الأبوة المفرطة" تُسبب افتقار الأطفال، الذين يُمارس هذا الضرب من التربية معهم، إلى القدرات القيادية.\nفضلا عن ذلك، تشوب الدراسة مشكلة أخرى، تتمثل في أنها تعتمد على استعادة المبحوثين - بأثر رجعي - لسلوك ذويهم حيالهم في فترة الطفولة، وهو ما يعني إمكانية أن ينزع أفراد العينة، ممن يعانون من عدم تقديرهم لذواتهم، إلى تقييم تصرفات الآباء والأمهات معهم بشكل سلبي، كمحاولة لتفسير ما يعانون منه من مشكلات على صعيد مسألة تقدير الذات.\nغير أن كل ذلك، لا يمنع من الإشارة إلى أن نتائج تلك الدراسة الصينية، جاءت متسقة مع التفسيرات السببية المنطقية، للظاهرة التي تناولتها. كما أن الباحثين الذين أجروها، ارتكزوا على عدد كبير من الدراسات السابقة - القائمة على الملاحظة أيضا - والتي أظهرت باستمرار، التأثيرات الضارة، على ما يبدو، التي تنجم عن وجود أبوين يفرطان في إسباغ الحماية على أطفالهما.\nففي الولايات المتحدة مثلا، أظهرت دراسة أجراها علماء نفس من جامعة فلوريدا، وشملت نحو 500 طالب جامعي، أن من تربوا منهم على يد والديْن يفرطان في الاهتمام والاعتناء بأطفالهم، كانوا أقل ثقة في قدراتهم.\nوقد خَلُصَت إلى النتائج نفسها دراسة مماثلة أجراها فريق بحثي آخر من جامعة ميامي، وشملت مئات من الطلاب كذلك. إذ تبين أن من قالوا من المبحوثين إن آباءهم كانوا "يحومون حولهم كالمروحيات دائما" خلال الطفولة، عانوا فيما بعد من مشكلات عاطفية أكثر، وواجهوا صعوبات لا يُستهان بها على صعيد عملية اتخاذ القرار، بل وأدوا على نحو أسوأ في الاختبارات أيضا.\nلكن حتى إذا كنت تحرص جاهدا على تجنب لعب أدوار قيادية، وحتى إذا أدركت في لحظة ما، أن أبويك أفرطا في الاهتمام بشؤونك في صغرك ووفرا لك الحماية بشكل مبالغ فيه، فلا يعني ذلك أنك حُرِمت تماما من الفرصة، لأن تكون ذا وضع قيادي في أي مرحلة من مراحل حياتك، أو أنك ستعجز طوال الوقت عن إبداء صفات القيادة.\nومن هنا، عليك أن تتذكر في البداية أن تبني والديْك هذا الأسلوب في التربية كان بحسن نية منهما على الأرجح، وأن شعورك بالاستياء حيال ذلك لن يفيدك البتة، فقد صرت أنت الآن من يمسك بزمام أمور حياتك، ما يعني أن بمقدورك - بجهدك وتفانيك - إعادة تشكيل خصالك وتوجهاتك في أي وقت تشاء.\nوإذا عدنا إلى الدكتورة جوديث لوك، الزميلة الزائرة في جامعة كوينزلاند للتقنية في أستراليا، سنجدها توصي بأن يبدأ المرء السير على هذا الدرب، عبر التحكم بشكل أكبر في شؤون حياته، بما في ذلك تحقيق استقلالية مالية أكبر قدر المستطاع، ومقاومة إغواء طلب العون من والديْه، كلما واجهته مشكلة.\nوتضيف لوك، التي ألفت كتابا بشأن تربية الأطفال لمساعدة الآباء والأمهات على تطوير إمكانيات أبنائهم وقدراتهم من خلال النأي بأنفسهم عن نمط الأبوة المفرطة، بالقول: " لدى الكثير من القراء آباء وأمهات لا يزالون يريدون المشاركة بقدر كبير في حياة أبنائهم. لذا عليك أن تحدد طريقة تُمَكِنُك من الإمساك بزمام الأمور في حياتك بشكل أكبر، وكُفْ عن الاعتماد على والديْك".\nبطبيعة الحال، لن تؤدي تغييرات مثل هذه في حد ذاتها، إلى تحويلك إلى شخصية قيادية. لكنها ستساعدك على أن ترى نفسك وقد أصبحت ذا شخصية مستقلة. وستجعلك تشعر براحة أكبر، وأنت تتخذ قرارات مستقلة أيضا، مما سيفيدك كثيرا، عندما تلوح أمامك فرص في مجالك المهني، لتولي أدوار قيادية.\nيمكنك أن تُدْخِل كذلك تغييرات على أسلوبك في مكان العمل. كأن تحاول أن تصبح أكثر انفتاحا على النقد، وأن تبادر بطلب الاستماع إلى تقييم الآخرين لعملك، بدلا من انتظار الاستماع لهذا التقييم.\nوتقول لوك: "تُظهر الدراسة التي أجريتها، أن من حظوا بحماية مفرطة، أُغْدِق عليهم - كما هو متوقع - بالمديح في أغلب الأحيان، وأنهم لا يستطيعون التعامل بكفاءة مع النقد البناء".\nوتضيف: "لكي تتحسن، يجب أن تكون منفتحا على الاقتراحات المتعلقة بما تحتاج لفعله، للوصول إلى هذه الغاية".\nعلى أي حال، لن تتغير الأمور إلى الأفضل بين عشية وضحاها، بل تحتاج إلى أن تمارس كل ما يجعل شخصيتك أكثر استقلالية، ولأن تكرس الوقت والجهد الكافييْن، لاكتساب المهارات العاطفية وتلك المرتبطة بصنع القرار. وإذا فعلت ذلك، ستجد نفسك، وقد تسنى لك أن تتحلى تدريجيا بالثقة، بل وأن تشرع في رؤية نفسك كمدير محتمل أيضا.\nيمكنك قراءة الموضوع الأصليعلى موقع BBC Work Life

الخبر من المصدر