المحتوى الرئيسى
أخبار كورونا

المستشار لبيب حليم لبيب يكتب: سعد زغلول ورفاقه

04/08 21:07

الزعيم يطالب ببطلان الحماية البريطانية من دار «حمد الباسل»

الخطبة تلهب الحماس فى نفوس المصريين رغم منع نشرها فى الصحف

الإنجليز يهددون بفرض الأحكام العرفية ويتهمون الوفد بعرقلة عمل الحكومة

اعتقال ونفى الزعماء الأربعة.. بداية شرارة ثورة 1919

اجتمع أعضاء الوفد لمناقشة أمر منعهم من السفر لعرض قضيتهم المقدسة، ويتشعب بهم الحديث ويطول، ويدلى كل برأيه، ويقف واحد منهم يقول: إننى أشعر بأن مساعينا الحالية لا نتيجة لها ما لم يصحبها شىء يلفت الأنظار، ورأى سعد فى هذا الرأى شيئاً جديداً، فأخذ ينصت ويستفسر، فأسرع لطفى السيد بالقول إنه يجب أن تقوم فى البلاد قارعة، فرد صاحب الرأى الآخر: أعتقد أننا لا نصل إلى حقوقنا بالكلام، وكانت مفاجأة، كان الرأى جديداً.

فقد قام الوفد يناضل عن حقوق مصر بالطرق السلمية، وقد بنيت وكالته الشرعية على هذا الأساس، لكن هذا الرأى الجديد يجب أن يوضع موضع الاعتبار.

وتحدث المجتمعون طويلاً فى أمر حقوقهم التى لم ينالوا شيئاً منها بالكلام، فأجمعوا على الأخذ بالرأى المطروح، وهو حث الأمة على الجهاد المفعل!

وشرح صاحب الرأى ما يعنيه: أن الجهاد العملى يستلزم تضحية وثورة تقلب الأوضاع ولتكن نتيجتها بالنسبة لهم ما تكون!

وعجب سعد من صاحب التفكير، ورأى فى هذه التضحية ما يخرج بالوكيل عن وكالته وحدودها المعروفة إلى حدود أخرى بعض التهور، فقال: إننا وكلاء عن الأمة، وإنى لم أسمع يوماً أن المحامى يسجن من أجل موكله!

وراح صاحب الرأى يعرض رأيه ويدافع عنه، مؤكداً أنه لو أقدم الإنجليز على اعتقال الوكلاء، فإنهم بذلك يخدمون الحركة أجل خدمة، ويقدمون للنار المختفية ما يلزمها من حطب.

وران الصمت على الجميع، وراحوا يفكرون فى أمر التضحية، وما يحدث من أنهم إن هم أقدموا عليها، وهل سيكون من ورائها خير أو قضاء على الحركة.

ومرت الساعات، وأقبل الليل، وأعضاء الوفد قد دعوا إلى حفلة خيرية بدار الأوبرا الملكية فأخذوا طريقهم إلى هناك، وما كادوا يشرفون على الدار، ويدخلون بها حتى دوت أرجاؤها بالتصفيق والهتاف.

كان لقاء باهراً، شعر الجميع معه أن راية الجهاد قد رفعت، وأن أقل تضحية يبذلها الوكلاء ستدفع بالموكلين إلى ما هو أبعد من الفداء، وفى المقصورة التفت سعد إلى زملائه وقال: بارك الله فى هذه الأمة، حقاً لا بد من قارعة!

كان للاستقبال الذى لقيه أعضاء الوفد بدار الأوبرا أثره فى النفوس، وكان فيه الدليل على صدق الرأى القائل بوجود الخروج عن سياسة الكلام، واتباع سياسة العمل الإيجابى مهما تكن نتائجه.

وحلت سنة 1919، وقرب موعد افتتاح جلسات مؤتمر السلام فى باريس، ولم يظفر الوفد بتصريح الإنجليز له بالسفر لعرض قضية البلاد، كان موعد افتتاح المؤتمر هو 18 يناير، فدعا سعد زغلول إلى اجتماع بدار حمد الباسل ليعرض على مدعويه قضية مصر، والأدوار التى مرت بها، وتكلم سعد فى الاجتماع.

كانت خطبته فيه أول خطبه السياسية منذ تأليف الوفد، فألم فيها بكل شىء، وتحدث وأسهب فى كل شىء، وسمعت مصر بأسرها بخطاب سعد، بل وحفظته عن ظهر قلب، برغم يد السلطة العسكرية التى امتدت عن طريق الرقابة، فلم تشر إليه فى الصحف بشىء، وإن صورته فى هيئة الحفل الخاص الذى جمع نفراً من هواة الحلوى وأصناف الطعام فى دار ثرى كريم أشبع بطونهم، وجعلهم يلهجون بحمده، ويذكرون كرمه!

وبرغم تلك الوسائل المشينة التى اتبعتها السلطة، وبرغم احتياطاتها ومحاولاتها، تزايد الشعور بكراهية الإنجليز، واهتاجت الخواطر وثارت لتدخلهم فى حريات الشعب تدخلاً جعلهم يفقدون الاتزان والتعقل، ويجرأون على حظر الاجتماعات وتحريمها.

وبرغم الرقابة الشديدة كانت الظروف تهيئ باستمرار مناسبات عديدة يستطيع الزعماء فيها أن يرفعوا أصواتهم، ويلعنوا الغاصبين فى كل مكان حتى فى الاجتماعات الحكومية، ولم تكد تمر أيام قلائل على خطاب سعد حتى رتبت له المصادفة مناسبة أخرى لإعلان رأى البلاد، إذ دعت الجمعية السلطانية للاقتصاد والإحصاء والتشريع فى 7 فبراير سنة 1919 إلى اجتماع لسماع المحاضرة الثانية للمستر «برسيفال» المستشار بمحكمة الاستئناف الأهلى عن مشروع قانون للعقوبات وضعته لجنة الامتيازات، ونزلت فيه بمصر إلى مرتبة المستعمرات التى يراد جعلها حرماً مباحاً للأجانب، وأرادت إدماج القضائين الأهلى والمختلط وجعلهما نظاماً موحداً فى قواعده وهيكله.

وكان معروفاً أن المحاضرة ستتناول التشريع الجديد المنسجم مع الحماية البريطانية، فاعتزم سعد الخطابة فى هذا الاجتماع لكى يرفع صوته ببطلان الحماية، فحضر الاجتماع بصحبة أعضاء الوفد وكثير من أنصاره، ولم يكن مستر برسيفال ينتهى من محاضرته حتى وقف سعد ليبدى رأيه وقال:

أيها السادة.. إنى أشكر حضرة المحاضر على ما قاله من أنه يريد أن يكون لمصر فى المستقبل شرع خاص، ولكنى أقول لحضرته إن هذا الشرع موجود فعلاً منذ أمد بعيد، وإن أمتنا ليست من قبيل الأقوام الهمج الذين

إن قانون العقوبات المعدل - المأخوذ عن القانون الفرنسى - جرى عليه العمل منذ زمن طويل، فهو جزء من محصولنا القانونى تشربته أفئدة قضاتنا ومحامينا، وسرى فى أخلاق الأمة سير الدم فى الجسد، قد يكون فى المشروع الذى تكلم عنه حضرة المحاضر بعض نصوص صالحة فى ذاتها، ولكن لا أرى محلاً لقلب التشريع الموجود الآن رأساً على عقب، أن فى ذلك ضرراً عظيماً لما ألفه الناس فى هذه البلاد من المعلومات القضائية، ولكن يظهر أن المراد هو التخلص من النظريات والتقاليد المؤسسة على هذه المعلومات.

فلأجل وضع نصوص قانونية مكان أخرى موجودة من قبل، ينبغى أولاً أن تتفق هذه القوانين الجديدة مع أخلاق البلاد وعاداتها، ثانياً أن تقوم الأدلة على ضرورة وضعها بالإحصائيات وقضاء المحاكم، لست أنكر الفائدة من مناقشة مشروع جديد بهذه الجمعية، ولكنى ألاحظ أن موضوع المناقشة الآن ليس مجرد مذهب علمى فى مسألة بعينها، وإنما هو أعظم من ذلك بكثير، هو أمر يمس حالتنا السياسية والاجتماعية مما لا يصح أن يتخذ هذا المنبر أداة له.

أستمحيكم القول بأنى أخشى أن يكون فى هذا الموضوع من هذه الجمعية خروج بها عما وضعت له، وأن يتخذ ذلك وسيلة للقول برضاء الأمة بهذا التقنين، وأن يستغنى به عن مناقشات الجمعية التشريعية التى هى الأداة التشريعية النظامية فى البلاد.

ثم أشار سعد باشا زغلول إلى أنه تحول على الجمعية التشريعية مشروع يتضمن تعديلاً فى نصوص القانون الخاصة بالضربات والجروح، ولم تفعل فيه شيئاً، نعم إن هذا المشروع تحول على لجنة الحقانية التى أنا رئيسها، فرأت أنه يلزمها الاقتناع بضرورة التعديلات المعروضة بيانات وإحصاءات طلبت من وزارة الحقانية تقديمها، وكررت هذا الطلب عدة مرات حتى انتهى دور انعقاد الجمعية ولم ترد هذه البيانات!

رأيت أنه من واجبى أن أبدى لحضراتكم ما قدمت من الملاحظات، ولكن هناك أمرا آخر هو ما يجب التنبيه إليه، قد تكلم حضرة المحاضر عن الباب الثانى من الكتاب الثانى من المشروع، وفى هذا الباب ما يتعلق بحالة سياسية لا وجود لها الآن بمصر، أن بلادنا لها استقلال ذاتى ضمنته معاهدة لندن سنة 1820 واعترفت به جميع المعاهدات الدولية الأخرى، وعبثاً يحاولون الاعتماد على ما حصل من تغيير هذا النظام السياسى أثناء الحرب.

إنكم أيها السادة تعلمون، وكل علماء القانون الدولى يقررون أن الحماية لا تنتج إلا من عقد بين أمتين، تطلب إحداهما أن تكون تحت رعاية الأخرى، وتقبل الأخرى تحمل أعباء هذه الحماية، فهى نتيجة عقد ذى طرفين موجب وقابل، ولم يحصل من مصر ولن يحصل منها أصلاً.

فى سنة 1914 أعلنت إنجلترا حمايتها من تلقاء نفسها بدون أن تطلبها الأمة المصرية، فهى حماية باطلة لا وجود لها قانوناً، بل هى ضرورة من ضرورات الحرب تنتهى بنهايتها، ولا يمكن أن تعيش بعد الحرب دقيقة واحدة.

ألقى سعد بهذه القذيفة، وهو مؤمن بأنها ستفعل فعلها فى نفوس المواطنين، ولكن السلطة منعت الصحف من نشر قنبلة سعد الخطابية، والناس برغم ذلك راحوا يرددونها فى كل مكان، إذ ألهبت الأكف والنفوس بنيران الوطنية المتأججة الكامنة فى أعماق القلوب.

صدقت فراسة الوفد، أن السياسة العملية التى طالب بها لتوشك أنى تؤتى ثمارها، وتظهر فى أفق الحوادث التى تبدت فيها طلائع تنذر بهبوب العواصف الجامحة والأعاصير الدامية، وبلغت موجة التوتر بين الفريقين أشدها، ولم يبق إلا أن يفقد أحد الخصمين ثباته، وتحكمه فى أعصابه فتقع الواقعة التى ستكفر ساخرة بسياسة الكلام، وتعلن فى صراحة أن الوفد كان أبعد الأحزاب نظراً وأعمق دراية وفكراً، وأنه حين طالب بإبطال سياسة الكلام إنما كان على حق!

وأحس الإنجليز بأن السياسة العملية التى اتبعها الوفد أخيراً قد أتت بثمارها، فأصبح كل من تحمله أرض مصر يكرههم كراهية بغيضة عمياء، فكان من العبث أن يجد كلمة ينفذ منها إلى قلب ذاك الحصار الإجماعى

ولما كانت الحكومة قد طلبت السماح لها فى شخص رئيسها رشدى وصاحبه عدلى بالسفر إلى لندن للمفاوضة بشأن وضع الإنجليز بالنسبة لحقوق البلاد فى استقلالها التام الناجز، ولما كان إبطاء الإنجليز فى الرد بالسماح، فقد دعا إلى استقالة الوزارة فى الثانى من ديسمبر سنة 1918، ثم بقائها بعد ذلك لتسيير دفة الأمور حتى تشكيل وزارة جديدة، ولما كان رشدى قد عاود تجديد طلب إعفائه من مسئولية الحكم فى 10 فبراير سنة 1919 مبدياً إصراره على عدم قبوله وزميله عدلى السفر وحدهما للمفاوضة، بل السماح لكل مصرى راغب فى ذلك.

ولما كان عظمة السلطان فؤاد قد قبل استقالة وزارة رشدى، وعاد فطلب إليها الاستمرار فى إدارة أعمال البلاد حتى يتم تأليف الوزارة الجديدة، ولما كانت مصر تنكر وجود ذلك الابن الذى يقبل الوزارة فى ذلك الظرف الدقيق، ويكون أداة فى يد الإنجليز، فإن الإنجليز وجدوا أنفسهم أمام إشكال لا مثيل له، عواصف تهب من كل ناحية، وزئير يدوى فى كل مكان، لا وزارة ولا وزراء ولا تحديد لمسئولية.

وإزاء هذه الأزمات رأى الإنجليز أن يرفعوا النقاب عن وجههم، ويظهروا صورتهم الحقيقية، وكانت مشيئة الله أن جعلهم أول من يبدأ العدوان، ويلقى النار على الحطب، ليعلو أوار ناره وتنطلق نحو السماء ألسنة لهبه.

ونظر الإنجليز إلى مكمن الشر، وعض نواجزه متحفزاً للمغامرة.

هذا الوفد المناضل لهم الذى يضم هذه الرؤوس المفكرة التى أعلنتها عليهم حرباً سلمية رهيبة عجز عن ردها طغيان الحديد والنار، هذا الوفد الذى عبث بالإنجليز وفضح سوء نواياهم فى كل مكان، هذا الوفد الذى كان من إجماع البلاد على طاعته أن أحداً لم يقبل التعاون مع الإنجليز ويقبل الوزارة ليكون أداة طيعة لهم.

هذا الوفد هو العدد الرهيب الذى يجب أن يؤخذ بالشدة كما أشار بذلك مستشارو وزارات الحكومة أجمعون.

وعاد الإنجليز إلى سياسة البطش، وظنوا أن فيها ما يحقق أهدافهم، وها هو ذا ماجور جنرال واطسون قائد القوات الإنجليزية بالنيابة يرسل إلى أعضاء الوفد فى 6 مارس سنة 1919 لمقابلته بمقر قيادته فى فندق سافوى حيث يلقى عليهم البلاغ التالى بالإنجليزية.

علمت أنكم تضعون مسألة وجود الحماية موضع المناقشة، وأنكم تقيمون العقبات فى يد الحكومة المصرية تحت الحماية بالسعى فى منع تشكيل وزارة جديدة، وحيث إن البلاد لا تزال تحت الأحكام العسكرية.

لذلك يلزمنى أن أنذركم بأن أى عمل منكم يرمى إلى عرقلة سير الإدارة، يجعلكم عرضة للمعاملة الشديدة بموجب الأحكام العرفية!

وأراد سعد زغلول أن يناقش القائد الإنجليزى، ولكنه خشى لقاء سعد، فأمعن فى الهرب من الجدل وصاح قائلاً: لا مناقشة، وترك الجميع وانصرف، وترك زعماء الأمة فى النهاية مقر القائد الإنجليزى، وعادوا إلى بيت الأمة حيث قرروا إرسال برقية احتجاجية إلى رئيس وزراء بريطانيا، ولقد جاءت هذه البرقية ضغثاً على إباله، إذ وجد القائد فيها ما يعنى السخرية به وتحديه، فكان أن استقر الرأى على اللجوء إلى العسف والإرهاب.

وفقد السلطة التحكم فى أعصابها، ولم يكن يطلع صباح يوم 8 مارس سنة 1919 حتى دق ضابط إنجليزى باب بيت الأمة، وأسرع الخادم إلى الداخل ليخبر إسماعيل صدقى - وكان وقتها جالساً بمكتبه فى الحجرة المجاورة لمكتب سعد - أن ضباطاً بريطانياً بالباب!

ودخل صدقى على سعد فى مكتبه، وتبادل الزعيمان حديثاً، خرج به صدقى ليقابل الضابط الإنجليزى الذى سأله عن اسمه فلما عرفه، طلب منه أن يدخله على سعد، ففعل، وطلب الضابط من سعد باسم السلطة أن يصحبه فى عربة عسكرية، وكذلك فعل مع إسماعيل صدقى، وفى الوقت الذى تحركت فيه العربتان، إحداهما تحمل سعداً والأخرى زميله صدقى، أطل الأخير ليقول: لقد عملنا وعلى الأمة أن تعمل، وانطلقت العربتان إلى ثكنات قصر النيل لتلحق بهما بعد ذلك عربتان أخريان فيهما حمد الباسل ومحمد محمود.

ولقد كان طبيعياً بعد ذلك أن يحدث ما كان الوفد يرجوه، وما طالب به بقوله لمن سمعوه وهو فى عربة الاعتقال على الأمة أن تعمل، وكان طبيعياً على الأمة أن تستجيب للنداء، وأن تقدم فى سرعة على عمل جدى.

وفى ليلة الاعتقال الأولى على الزعماء الأربعة، وهم مؤمنون بأن صباحها سوف يشهد أبا الهول وهو يتحرك من مجثمه العتيد على رمال الصحراء، ليثير أحجار العالم ويقلبها علي رؤوس الإنجليز.

وأشرق الصباح على حوادث ما حسب لها الإنجليز أى حساب، لقد استيقظ الشعب، أجل كانوا يريدون الاحتجاج على اعتقال الزعماء، كانوا يريدون الاحتجاج على الإنجليز، فألفوا المظاهرات السلمية لإعلان الاحتجاج.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل