المحتوى الرئيسى
أخبار كورونا

«السيرة الحائرة».. أسرة «أبو الفتح» بين التخوين والتكريم (4- 4) | المصري اليوم

04/07 17:48

لم يتمكن محمود أبوالفتح من الحصول على شهادة الحقوق، لكنه استطاع أن يكون نجمًا في عالم الصحافة، إذ ينسب إليه الدور الأكبر في ثورة التحرير الصحفي، والانتقال بالصحافة إلى مرحلة الصناعة القائمة على الخبر والتحليل بعيدًا عن الإنشاء والصيغ الأدبية التي كانت تشكل طابع الصحف حتى ثلاثينيات القرن الماضي، كما يقول يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق.

«السيرة الحائرة».. أسرة «أبو الفتح» بين التخوين والتكريم (الحلقة 3)

«السيرة الحائرة».. أسرة «أبو الفتح» بين التخوين والتكريم (الحلقة 1)

«السيرة الحائرة».. أسرة «أبوالفتح» بين التخوين والتكريم (الحلقة 2)

قبل التحاقه بـ«الأهرام»، عمل «أبوالفتح» في صحيفة «وادي النيل»، وأنشأ صحيفة «الجمهور» لـ«الدفاع عن القضايا الوطنية والحرية والاستقلال عن الاحتلال الإنجليزي»، كما يقول شقيقه أحمد في كتابه «جمال عبدالناصر»، مضيفًا أنه «كان المحرر الأول في جريدة الأهرام رغم الضيق بتطرفه السياسي، وحقق انتصارات صحفية كانت محل تعليق الصحف العالمية».

ينسب أحمد أبوالفتح إلى شقيقه السبق بنشر خبر اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، ويقول: «غضب الملك فاروق لإذاعة أنباء الكشف وتفاصيل محتوياته، لأنه كان يريد أن يعلن ذلك بنفسه»، ويقول أيضًا إنه كان أول صحفي أجنبي يسافر في أول رحلة للمنطاد الألماني «جراف ربلن» عام 1927، و«استغل هذا الحدث لإقناع الحكومة الألمانية بأن يقوم المنطاد برحلة إلى مصر».

عام 1936، أصدر «أبوالفتح» جريدة «المصري» بالتعاون مع الصحفيين محمد التابعي، مؤسس مجلة «آخر ساعة»، وكريم ثابت، المستشار الصحفي للملك فاروق، ووقع الثلاثة عقدًا بتاريخ 4 يوليو 1935 لإنشاء «شركة النشر والأنباء المصرية» لإصدار الصحف وغيرها، وتوزعت رواتب الثلاثة بواقع: 60 جنيهًا لـ«أبوالفتح»، و50 جنيهًا لـ«ثابت»، و25 جنيهًا لـ«التابعي».

خروج التابعي من «المصري»

أصبحت «المصري» محسوبة على الوفد بعد أن تلقى الشركاء الثلاثة عرضًا من الحزب للمساهمة بحصة في الشركة، وفي الأخير اشترى «أبوالفتح» حصة كريم ثابت، واتفق مع مكرم عبيد على شراء حصة الوفد، وذلك بعد أن أرسل «التابعي» إلى شريكيه خطابًا مطولًا يطلب فيه فض الشراكة، مع بيان الأسباب التي دفعته لذلك، ولعل أبرزها «إخفاء مصادر الدخل والتمويل».

في خطابه يشكو «التابعي» إلى شريكيه سوء تنظيم التحرير في الجريدة، وسوء الحالة المالية للشركة ككل، ويقول: «إن كل ما يعنيكما هو الحصول على مرتبكما كأنما قد دفعنا رأس المال لكي نسترده في شكل مرتب وفي أقصر زمن ممكن (..) وسمعت ما فهمت منه أن أحدكما لا تهمه نجاة الجريدة بقدر ما يهمه الحصول على مرتبه كاملًا غير منقوص ثم بعده الطوفان».

يصارح «التابعي» شريكيه بالسبب الأكبر لفض الشراكة، إذ يقول: «يوم اتفقنا معًا، تعاهدنا على أن نكون لبعض شرکاء شرفاء مخلصين لا ينفرد أحدنا بغنمه بل يصارح بعضنا بعضًا بأي ربح أو إعانة أو مكافأة يقع عليها.ولقد حفظت عهدي معكما، ومع أن المبلغ الذي قدمته إلينا أخيرًا جهة معروفة رصد باسمي وكلف المختص بأن يسلمه إليّ شخصيًا فقد أسرعت إليكما بالنبأ».

يضيف: «هل في وسعكما أنتما أن تقولا المثل؟ كلا، وعندي ما يحملني على الاعتقاد القاطع الأكيد أن هناك مبالغ عديدة دفعت من أجل المصري أو من أجل دعاية يقوم بها المصري أو من أجل سكوت المصري، وهذه المبالغ لم أسمع عنها لأن الذي قبضها اعتبرها مالًا حلالًا لنفسه دون الآخرين، ومن الذين تناولوا هذه المبالغ مخبرين في الجريدة يعملون تحت إشرافكما».

خطاب صاحب مجلة «آخر ساعة» إلى شريكيه جاء ضمن أوراقه المنشورة في كتاب «محمد التابعي» للكاتب الصحفي صبري أبوالمجد، ويقول في ختامه: «وترون مما تقدم ألا فائدة ترجى من استمرار شركتنا معًا، ولهذا أرجو أن تتفقا معي على تصفية هذه الشركة بطريقة حبية لكي أعرف الباقي لي بعد الخسارة فاسترده، أو الدين الذي عليّ فأحصره وأعمل على سداده».

ذكريات «أبوالنجا» مع «أبوالفتح»

في منتصف 1943، أسند «أبوالفتح» النواحي الإدارية في جريدة المصري إلى الدكتور السيد أبوالنجا الذي يصفه في مذكراته المعنونة «ذكريات عارية»: «كان الإنصات هو عمله الوحيد؛ أذناه تتجاوبان مع من حوله وعيناه تتشاغلان عنهم، وبين دقيقة وأخرى يرفع بصره في وجوههم، فكأنما يبعث من عينيه أشعة تفاذة تكشف ما في نفوسهم، وقد يتصدق ببعض كلمات».

يروي «أبوالنجا» تفاصيل اتفاقه مع صاحب «المصري» قائلًا: «سألني: هل تمانع في أن تكون وفديا؟ قلت: لا، ولكن طبيعتي تنفر من الحزبية. قال: أليس لك رأي محدود في سياسة البلد؟ قلت: إنني أبدي رأيي في الشؤون العامة، ولكنني لا أحترف السياسة. فقال: ولكن السياسة هي السبيل لخدمة الوطن. فقلت: ولكنني أخدم وطني بعملي، فالسياسيون كثيرون والفنيون قليلون».

قرب محمود أبوالفتح من حزب الوفد، الذي كان صاحب الأغلبية آنذاك، أتاح له، بجانب الصحافة، الدخول في عالم تجارة الورق، كما يقول الصحفي محمد حسنين هيكل في برنامجه «مع هيكل» على قناة الجزيرة عام 2007، مضيفًا أن «محمود أبوالفتح عمل فلوس مهولة في فترة الحرب، وكانت في حصص ورق بيتباع في السوق السوداء، والأستاذ محمود راكم ثروة خرافية».

في كتابه «جمال عبدالناصر»، يقول أحمد أبوالفتح إن صلاح سالم، عضو مجلس الثورة، طلب إلى شقيقه «التبرع بخمسة أطنان ورق ليقدمها كهدايا للصحف السودانية، ووافق أخي ونفذ الطلب بصدر رحب»، ويقول «أبوالنجا» في مذكراته إن إحدى مهامه الأولى في «المصري» تمثلت في استرداد 400 طن من الورق كان «أبوالفتح» قد أقرضها للاحتلال الإنجليزي.

في كتابه «السيد أبوالنجا مع هؤلاء»، يقول مدير «المصري»: «احتاج محمد التابعي سلفة من الورق لمجلة آخر ساعة فطلبها من محمود أبوالفتح، فقال لي قبلها إنه سيطلب مني أمامه أن أعطيها له، ولكنه حذرني بشدة من أن أقبل، وجاء التابعي بطلبه فاعتذرت بقلة الرصيد، فصاح غاضبًا: (لقد كنت أعتقد أن محمود هو صاحب المصري فإذا هو موظف عند سيادتك يا دكتور)».

يقول «أبوالنجا» في مذكراته إنه تلقى عرضًا من «أبوالفتح» للاستمرار في إدارة المصري، لكنه كان يمضي معظم وقته في التدريس بجامعة القاهرة، فوعده «أبوالفتح» بالحصول له على ترخيص من الدكتور طه حسين، مدير الجامعة آنذاك، بأعمال الخبرة في غير أوقات العمل، وتوسط له بالفعل عند نجيب الهلالي، وزير المعارف آنذاك، لكن طه حسين تعمد رفض طلبه.

يضيف «أبوالنجا»: «ذهبت إلى طه حسين وسألته: هل تحدث إليكم صاحب المصري بشأن الترخيص لي بالعمل معه كخبير؟ قال: لا، ولكنه كلم نجيب (الهلالي وزير المعارف)، ونجيب كلمني فرفضت. قلت: ثم ماذا؟ فقال: هذا هو كل ما حدث. قلت: إذن فأنا آسف لأني أضعت وقتكم، لقد ظننت أنكم موافقون. قال: يا سيدي أنا حريص على أن أغضب صاحب المصري».

كان لعميد الأدب العربي مأخذ على «أبوالفتح»، فقال عنه: «إنه يجمع المال من جريدته ثم لا يزكي عنه بالإنفاق على الثقافة العامة»، حسب «أبوالنجا» الذي يضيف في مذكراته: «قلت له: وهل الصحافة إلا تثقيف؟ فقال: کلا، إنها تجارة فيها يسلي الناس ولا ينفعهم. قلت: يا دكتور إن عملي خارج الجامعة يتيح لي تطبيق ما ألقيه على تلاميذي. فقبل مني ذلك وسمح لي بالعمل».

ساهم محمود أبوالفتح في شركة الإعلانات الشرقية التي كانت مملوكة لعائلة «فيني» اليهودية، وكانت تحتكر إعلانات جميع الصحف الصادرة في مصر آنذاك، فضلًا عن احتكارها لإصدار الصحف الأجنبية مثل صحيفة «الإيجيبشان جازيت»، وكثيرًا ما نسب أحمد أبوالفتح إلى شقيقه الأكبر «الفضل في تمصير الصحافة الأجنبية، وتعيين المصريين في صفوفها».

يروي السيد أبوالنجا في مذكراته أن «أبوالفتح» كان على خلاف مع شركة الإعلانات الشرقية منتصف عام 1943، ويقول: «كانت الشركة تحتكر إعلانات المصري مقابل 300 جنيه في الشهر، وكان أبوالفتح يريد رفعها إلى 400، ولكنها ترفض، ويشجعها على الرفض أنه لا يستطيع إنشاء إدارة لبيع المساحات الإعلانية، وطلب مني إما رفع المبلغ أو الاستقلال عن الشركة».

بعد ذلك، فرض «أبوالفتح» نفسه على الشركة، وكانت القاهرة مركز توزيع الإعلانات في العالم العربي، ويقول «أبوالنجا»: «تكونت بينهما شركة جديدة باسم شركة الإعلانات المصرية، تحتكر إعلاناتهما، وأسندت إدارتها إليّ مع العضو المنتدب، وكان أجنبيًا يدير الشركة الشرقية، وتكونت الشركة الجديدة برأسمال 24 ألف جنيه مناصفة بين صاحب المصري والشركة الشرقية».

«لم يدفع أبوالفتح حصته في الشركة الوليدة، وهي 12 ألف جنيه، وحين انتهى العام كانت الأرباح 36 ألف جنيه، وقال هنري حاييم {العضو المنتدب} إن أبوالفتح لا يستحق منها شيئًا ما دام لم يدفع حصته»، يقول «أبوالنجا»، مضيفًا: «رددت عليه بأن الشركة قائمة والحصة دين مدني يخصم من نصيب أبوالفتح في الربح، فتسلم 6 آلاف جنيه بعد أن سدد حصته من الأرباح».

ينتقل «أبوالنجا» للحديث عن تمصير الشركة، فيقول في مذكراته: «لم يكن في الشركة مصريون غير السعاة النوبيين، ومندوب واحد من مندوبي الإعلانات، فألفوا من بينهم وفدًا جاء يقدم لي التهاني ويعبر لي عن فرحهم باختياري. وأدركت على الفور أن تمصير الشركة هو أول واجباتي، فبدأت أنتقي للوظائف التي تخلو شبانًا مصريين من الملمين باللغات الأجنبية».

يضيف: «كان العضو المنتدب أجنبيًا شديد المراس، وكان مجلس الإدارة يتألف من 8 أعضاء: 4 يمثلون شركة الإعلانات الشرقية، و4 يمثلون جريدة المصري، وكنت أحضر المجلس بمفردي باسم الأربعة، وكان أحد الشبان من خريجي كلية الآداب قد لمع في عمله الإعلاني، فاقترحت اسمه كمساعد لمدير الإنتاج، ولكن العضو المنتدب لم يوافق بحجة أن هذا تعدِ على الأقدمية».

يمضي «أبوالنجا» في سرده لتمصير الشركة، ويقول في مذكراته: «أصررت على الترقية بحجة أن الشركة تعمل في مصر، ومصر بها 20 مليون من الناس، منهم مليون من الأجانب. صحيح أن الأعمال في يد الأجانب لكن أليس في الأغلبية العددية الساحقة معلنون؟ أليس من حق هذه الأغلبية أن يعترف بوجودها فيختار لها موظف مصري واحد يتحدث إليها بلغتها؟».

يقول «أبوالنجا»: «كان کریم ثابت بين ممثلي شركة الإعلانات المصرية في مجلس الإدارة، وكان يتقاضى ألف جنيه سنويًا مقابل حضور جلسة واحدة كل عام، هي الجلسة الختامية التي تنظر الميزانية وتوزع الأرباح، وقد تذمر يومًا من أتعابه هذه فقال متخابثًا لأبوالفتح: كل هذا الاستغلال للقصور بألف جنيه! فضحك أبوالفتح قائلًا: القصور في عقلك. وساءت العلاقة بين الرجلين».

ينتقل «أبوالنجا» للحديث عن استحواذ محمود أبوالفتح على شركة الإعلانات الشرقية، فيقول: «عرفت أن الأوصياء على ورثة مستر فيني {ملاك الشركة} لم يعد لهم مصلحة في أن يستمروا في إصدار صحف: البورص والبرجرية والجازيت، فساومتهم على شراء شركة الإعلانات الشرقية التي تملك هذه الصحف، ونجحت في ذلك، فأصبح أبوالفتح ملك الصحافة المصرية».

يضيف: «كنت دائمًا أتوقع شرًا من ناحية المصري، كنت أرى الأمور تتعقد بينه وبين الثورة، حتى صدر قرار محاكمة أبوالفتح. وكانت المصارف قد رأت أن تحتاط فضيقت على ائتمان الجريدة، بل أخذت تستولي على كل ما يصل إليها من إيراداتها. فظللت أجمع من الإيرادات بعيدًا عن البنوك حتى تمكنت من صرف مرتبات الموظفين في آخر شهر من حياة الجريدة».

توكيل «بيبسي كولا»

كان محمود أبوالفتح أحد رجال الأعمال الرواد في عصره، وكانت له علاقات متشعبة في أوروبا، أتاحت له الحصول على توكيلات العديد من الشركات العالمية مثل مرسيدس وفولكس فاجن، بما لهما من معارض ومراكز صيانة، وكان أحد مؤسسي بنك القاهرة، واستطاع بفضل علاقاته مع الملك سعود بن عبدالعزيز أن ينشئ فرعًا للبنك في السعودية في الربع الأول من 1954.

قبل الثورة، يقول السيد أبوالنجا: «أبلغني رئيس مجلس إدارة بنك مصر {وقتها}، إلياس أندراوس، أن الملك فاروق يعرض على محمود أبوالفتح أن يكون وزيرًا مقابل دفع 100 ألف جنيه، أو أن يكون رئيسًا للوزارة مقابل ربع مليون جنيه. فرأيت من واجبي أن أنقل إليه العرض، فسخر مني، لكنه طلب أن أمنّي أندراوس بالقبول دون أن أرتبط معه بشيء تجنبًا لأي صدام».

يضيف «أبوالنجا» في مذكراته: «ودارت الأيام، فإذا بصاحب المصري يسافر إلى جنيف ويطلبني إليه، وسافرت فوجدته قد حجز لي جناحًا فخمًا في فندق كبير، وألحق به سكرتيرة خاصة من الفندق. وفي الصباح كاشفني بأن رئيس مجلس إدارة بيبسي كولا سيحضر من نیویورك ليكمل إليه توكيلها في مصر، وطلب إليّ أن أحسن استقباله، وأن أتفاوض معه على أسس محددة».

يمضي قائلًا: «جاء رئيس مجلس إدارة بيبسي كولا فقالت له استعلامات الفندق إن صاحب المصري بالخارج وإن مديره موجود، فردت السكرتيرة قبل تحويل المكالمة إليّ، ثم نزلت {السكرتيرة} فصاحبت الرئيس إلى الجناح. وهكذا تم إعداده ذهنيًا للتفاوض. ودعوته للعشاء في الجناح فلبى، وكنت على المائدة أعطي السكرتيرة تعليماتي فتنقلها لرئيس الخدم، ثم بدأت المفاوضات».

يصل «أبوالنجا» إلى القول: «علم صاحب المصري أن إلياس أندراوس موجود في باريس، فاتصل به ودعاه لمقابلتي، إذ إنني الذي سأتولى دفع المبلغ المطلوب لتولي الوزارة، فحضر على الفور بالطائرة، وكان رئيس مجلس إدارة بيبسي كولا يعرف أندراوس منذ قابله في القاهرة، ولذلك أقام صاحب المصري عشاء حضره الرجلان الكبيران ومعهما سفير مصر في برن».

«قبل الرئيس جميع الشروط»، يقول «أبوالنجا»، مضيفًا: «وأمضى عرضًا قدمه لي يبقى صالحًا 6 أشهر، ثم استقل سيارة صاحب المصري الرولزرویس إلى المطار وهو يهنئ نفسه على التعامل مع صاحب الملايين. وكان في أقصى المدينة رجل ينتظر، إنه صاحب الملايين الفعلي الذي سيمول الصفقة كلها فينشئ شركة التعبئة، أما صاحب المصري فقد حقق لنفسه ربحًا كبيرًا».

هكذا، أدى إلياس أندراوس مهمته في مفاوضات «بيبسي كولا» دون أن يدري، كما يقول «أبوالنجا»، ويضيف: «اتفق معي صاحب المصري على أن نصطنع خلافًا لإبعاد أندراوس، فلما جاء قال لي صاحب المصري: أنا لا أقبل أن أكون وزيرًا، ولكني لا أمانع أن أكون رئيس وزارة فادفع لإلياس باشا ربع مليون جنيه. قلت: سأفعل بمجرد أن تتفضلوا بعمل الترتيب مع البنوك».

يختتم «أبوالنجا»: «قال أبوالفتح متعجبًا: أنا الذي أعمل الترتيب مع البنوك؟ وما هي وظيفتك إذن؟ قلت: إن المصري لا يستطيع دفع المبلغ. فصرخ: وهل كنت وصيًا عليّ حتى أحتاج مشورتك إذا لم تكن مهمتك أن تقوم بالدفع؟ قلت: لا، إن هناك سوء تفاهم. فثار قائلًا: إنك تخلق سوء التفاهم عن قصد لتتخلص من الدفع. وتدخل أندراوس لإعادة المياه إلى مجاريها ثم استأذن في السفر».

داخل جريدة «المصري»

خطاب محمد التابعي لفض شراكة «المصري» تطرق إلى الأمور التحريرية، فيقول: «مواد الجريدة متروكة للمقادير، وكثيرًا ما يشكو رئیس عمال الجمع من عدم وجود مواد لبعض الصفحات. والذي أعرفه أن رئيس التحرير في كل الصحف لا يغادر مكتبه في المساء إلا بعد أن يبت في صفحات عدد اليوم التالي ويختار لها المواد المناسبة أو على الأقل يطمئن إلى وجود هذه المواد».

أضاف «التابعي» لشريكيه: «تعرفان أنه بسبب قلة التلغرافات في مساء الأحد وبسبب إغلاق البورصة فإن بعض الصفحات تبقى مفتوحة أو خالية تمامًا، ومع علمكما بهذا فإن أحدكما لم يتعب نفسه بالتفكير في وضع نظام لعدد يوم الاثنين، وكانت النتيجة أن صدر مثلًا عدد الاثنين الماضي وفيه عدة صفحات سمك لبن تمر هندي، رغم وجود رسائل متأخرة تصلح جدًا لسد الفراغ».

أما السيد أبوالنجا، مدير عام الجريدة، فيشير في مذكراته إلى بعض الجوانب التحريرية والإدارية داخل «المصري»، ويقول في بداية تعاونه مع «أبوالفتح»: «كان توزيع الجريدة يدور حول 10 آلاف نسخة يوميًا، وكان توزيع الأهرام يدور حول 100 ألف، وأغرى هذا مدير إعلانات الأهرام بأن يرسل خطابًا للمعلنين يقول فيه إنه لا توجد جريدة ثانية في مصر بعد الأهرام».

يضيف «أبوالنجا»: «رأيت أن في هذا التهكم قذفة واضحة في حق المصري، وأشرت على صاحبه برفع دعوى بطلب التعويض، واستشار صاحب الأهرام محاميه، فأفتاه بأن المسؤولية محققة، ولم يجد بدًا من أن يقبل إرسال خطاب دوري يعتذر فيه عن خطابه الأول، وأن يرسل أصل الخطاب إلى المصري، فجعلت من هذا الخطاب نقطة الانطلاق في حقل الإعلانات».

يمضي «أبوالنجا»: «كانت الوفيات من الأبواب المهمة التي تنقص المصري فسعيت للحصول عليها عن طريق موظف في قسم الإعلانات المبوبة في الأهرام، كان يتقاضی قيمتها ممن يحضرون للإعلان عنده ويحتفظ بها لنفسه، ثم يرسل النص للمصري فينشره بالمجان. وكنت سعيدًا بهذا لأن من شأنه أن يغري المعلنين الآخرين بالحضور رأسا إلى مكتب المصري، ونجح الباب».

يشير «أبوالنجا» إلى ضعف المواد التحريرية في «المصري» آنذاك، ويقول: «كان باديًا أن توزيع المصري لا بد أن يرتفع إذا أريد للجريدة أن تنافس الأهرام، والارتفاع غير ممكن ما دامت مواد الجريدة مقصورة على بضع مقالات تهاجم الأحزاب المعادية للوفد، وتصف استقبالات مصطفى النحاس باشا، وعلى مقال أسبوعي عن المسجد الذي قصده فجأة لصلاة الجمعة».

يقول: «كان من رأيي أن القارئ يبحث عن الأخبار، وهو يتطلب فيها السبق والصدق، ولا يمكن أن يثق بالمصري وهو يقرأ فيه أن عدد الذين حضروا خطاب النحاس بأشا 30 ألفًا مع أنه كان بينهم وقدرهم بـ3 آلاف، وكانت تجربة صاحب المصري معي قد نجحت في الإدارة، فاتجه إلى جامعي آخر في التحرير، وجرى اختيار الدكتور محمد مندور بعد اعتذار حسن الزيات».

«رئيس تحرير من وراء ستار»، يقول «أبوالنجا» إن محمود أبوالفتح «سافر إلى أمريكا فاتفق معي على أمر بالغ الخطورة، قال: إني طلبت إلى سكرتير التحرير أن يعمل بتوجيهاتك في أثناء غيابي، فحاول أن تخفف كثيرًا من وفدية الجريدة، ولكن حذار أن تصطدم مع النحاس باشا فيفصلها عن الوفد فتموت. فقسمت التحرير إلى إدارات، ونظمت مواعيد العمل في كل منها»

يمضي «أبوالنجا»: «أصبحت الجريدة تصدر مبكرًا قبل الأهرام، واشتغلت بالصحافة الميدانية، فأجرت أحاديث مع عدد من الوزراء ظهر فيها الصحفي ندًا للوزير يناقشه ويحاسبه»، وبعد ذلك تولى حسين أبوالفتح رئاسة التحرير «وجاءته يومًا برقية من محسن مؤمن، مراسل الجريدة في بغداد، يقول فيها إن الملك فيصل، ملك العراق، تقدم لخطبة الأميرة فريال، ابنة الملك فاروق».

نشر حسين أبوالفتح الخبر في الصفحة الأولى بعنوان «مصاهرة ملكية»، فثار الملك فاروق، واتصل بالنائب العام آنذاك، محمود منصور، للقبض على حسين أبوالفتح، ونفذ النائب العام الأمر دون أن يدري السبب، ويقول «أبوالنجا»: «ذهبت مع المحامي رهيب دوس إلى مقر التحقيق فوجدنا محضرًا لم يتجاوز بضعة أسطر انتهى بحبس المتهم أربعة أيام على ذمة التحقيق».

يضيف «أبوالنجا»: «دخل وهيب دوس على محمود منصور، وكان زميله في الدراسة، وسأله عن جلية الأمر، فقال النائب العام إنه لا يدري، ولكنه ينوي أن يتصل بكريم ثابت، مستشار الملك فاروق الصحفي، ليعرف سبب القبض على حسين أبوالفتح، وفي المساء جاء وهيب دوس إلى مكتبي هائجًا وقال: ما دمتم تلعبون بالنار هكذا فلماذا تشرکوني معكم في مثل هذه الألاعيب؟».

كان عنوان «مصاهرة ملكية» سقطة وقعت فيها «المصري» بسبب التسرع، ويقول «أبوالنجا»: «قلت للمحامي: ماذا يا وهيب بك؟ فقال إن کریم ثابت كان قد سافر إلى بغداد ومعه كلبة ملكية لتحمل من کلب ملكي هناك، وقد أراد حسين أبوالفتح أن يشير إلى الواقعة فنشر الخبر بعنوان (مصاهرة ملكية). وذهبنا فورًا إلى النيابة لمقابلة حسين، فدهش هو الآخر عند سماعها».

«أمر السراي سفير مصر في بغداد بالتحقيق، فاستدعى مراسل المصري، وقال إنه أرسل برقية بالفعل بعد أن رأی کریم ثابت في بغداد بصحبة أحد رجال السراي، فسأله عن سبب مجيئه، فقال إن هناك مصاهرة ملكية. وسارع المراسل بإبفاد برقية إلى القاهرة، واتصل السفير برجل السراي فقال إنه كان يمزح، ولم يتوقع أن المراسل سيأخذ الأمر بجد ثم يكمل الخبر من عنده».

أشار أحمد أبوالفتح في كتابه «جمال عبدالناصر» إلى تلك الواقعة تحت عنوان «عندما أراد فاروق إغلاق المصري»، ويقول: «ذات يوم في عام 1948 وصلتنا برقية من مدير مكتب المصري في بغداد الأستاذ محسن المؤمن تقول: وصل إلى بغداد اليوم سعادة كريم ثابت باشا وبصحبته محمد حلمي حسين بك (..) ودلت التحريات أن الزيارة تمهيد لمصاهرة ملكية».

«كان فاروق قد طلّق الملكة فريدة»، يقول «أبوالفتح»، مضيفًا: «نشرنا خبر المصاهرة الملكية داخل إطار على 3 أعمدة في صدر الصفحة الأولى». وذهب «أبوالفتح» لاستجلاء موقف أخيه في مكتب النائب العام، فسمع الأخير يقول: «معلهش يا حسين 4 أيام في سجن الأجانب، وسأعطي أمرًا بأن تخرج كل يوم ولا تعود إلا قبل الغروب علشان نهدي الملك».

يقول «أبوالفتح»: «أمضى أخي ليلته في سجن الأجانب، وفي الصباح عندما خرج بصحبة ضابط بوليس بحجة العلاج تنفيذًا لأوامر النائب العام اتجه بالسيارة إلى مكتب محمود بك منصور، وعندما استقبله النائب العام قال أخي: كفاية والله ما أنا راجع السجن. وبعد تناول القهوة أصدر النائب العام قرار الإفراج عن أخي (..) وعلمنا أن الملك كان مصرًا على إغلاق المصري».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل