المحتوى الرئيسى
تريندات

حكم الطلاق بلفظ أنت طالئ يثير جدلاً.. الهلالي: لا يقع.. وعلى جمعة يحسم الجدل

02/19 18:23

أثارت فتوى الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، جدلًا كبيرًا، الذي رأى فيها أن طلاق المصريين لا يقع لأنهم يقولون «طالئ» بالهمزة بدلًا من القاف «طالق».

وقال «الهلالي» خلال حواره مع الإعلامي عمرو أديب، ببرنامج «الحكاية»: «إن بعض الشافعية قالوا لابد للطلاق أن يكون بالقاف وليس الهمزة، مضيفًا: إحنا بقينا بندور على الرأي الشاذ عشان البيت ميتخربش».

وكان الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، قد أعد بحثًا عن حكم قول الزوج لامرأته: «أنت طالئ» بالهمزة، مؤكدًا أن بعض الفقهاء رأى أنه طلاق كناية وليس صريحًا ولابد من معرفة نية الزوج.

حكم قول الزوج لامرأته: أنت طالئ

حدد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق، في بحثه الذي أعده عن «حكم قول الزوج لامرأته: أنت طالئ»، ورأى أولًا: أنه من المقرر شرعا أن الأصل في الأبضاع هو الاحتياط، ثانيًا لفظ «طالئ» بدلًا من «طالق» كما هو جارٍ على لسان كثير من أهل مصر: يُخرِج اللفظ مِن الصَّراحة إلى الكناية التي تحتاج إلى نية مقارنة للفظ يقع به الطلاق.

وأضاف المفتي السابق، ثالثًا: الطلاق الشرعي لا يقع إلا بلفظ أو ما يقوم مقامه؛ كإشارة الأصم والكتابة، فلو نواه بقلبه مِن غير لفظ لم يقع، رابعًا: إذا أُبدلت الطاء في لفظ الطلاق تاءً مثناة «أنت تالق» لم يقع الطلاق إلا بالنية، رابعًا: العبرة في الطلاق بالألفاظ والمباني لا بالمقاصد والمعاني، سادسًا: الفتوى بالأخف ليست بالضرورة من التساهل في الفتوى؛ لأن هذا الأخف قد يكون هو المترجِّح لدى المفتي، أو هو الأليق بحال المستفتي.

ولخص المفتي السابق بحثه، قائلًا: «إن تحريف لفظ الطلاق الصريح بأن يُنطَقَ "طالئ" بدلا من طالق كما هو جارٍ على لسان كثير من أهل مصر، يُخرِج اللفظ مِن الصَّراحة إلى الكناية التي تحتاج إلى نية مقارنة للفظ يقع به الطلاق، وأن الفتوى بهذا القول ليست مخترعة ولا مصادمة للنصوص، بل هي مبنية على مذهب السادة الشافعية تفريعًا وتنظيرًا، وأن الإفتاء بهذا الاختيار فيه مراعاة لأحوال الناس والزمان، وفيه تحقيق لمصلحة بقاء الزوجية قائمة، بما يستتبعها من الحفاظ على كيان الأسرة في زمن تَهَدَّد فيه بقاء الأسرة، واتجه بالإنسانية إلى الفردانية».

اقرأ أيضًا: هل يقع الطلاق من لحظة الاتفاق عليه أم بعد التلفظ به؟ الإفتاء تجيب

البحث الكامل عن حكم الطلاق بالهمزة 

تابع الدكتور علي جمعة في بحثه، قائلًا: جاء الشرع الإسلامي بلغة العرب، فنزل القرآن الكريم بلغتهم، وتكلم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بها، وقد تصرف الشرع في بعض الكلمات، فأخرجها من الحقيقة الموضوعة لها إلى تخصيص في الاستعمال كالحج والصوم والطلاق.

وورود هذا النوع من الكلمات التي خُصِّصَتْ في الإطلاق الشرعي في القرآن الكريم هو قرينة قوية على أن الشرع قد قصد لفظها بعينه؛ ولذلك اتفق الفقهاء على أن لفظ "الطلاق" هو الصريح في الطلاق، وزاد الشافعية في المشهور والحنابلة في قول لفظَيْ: "السراح" و"الفراق"؛ بناءً على أن هذه هي الألفاظ التي وردت في القرآن للدلالة على إنهاء عقد النكاح دون غيرها، وزاد بعضهم ألفاظًا أخرى.

وهذه الكلمات التي يقع بها الطلاق لها نطق يدل عليها في لغة العرب، فإذا نُطِقَتْ محرَّفةً: فإما أن تغير المعنى، وإما ألا تغير المعنى، لكنها على كل حال لم تَعُدْ عربية في الدلالة على معنى الطلاق.

وتحريف الكلمة قد يكون بحذف بعض حروفها، أو بإبدال حرفٍ منها بآخر بسبب تقارب مخرجيهما -كما بين الطاء والتاء مثلا-، بحيث يُخرِج التحريفُ الكلمةَ عن أصل وضعها اللغوي.

وقد يكون الإبدال مقبولا لغة إذا كان قد سُمِع مِن العرب، وقد يكون مردودًا، فيُعَدّ مجرد خطأ لُغَويّ، كما أن حذف بعض الحروف قد يكون صحيحًا لغة كما في ظاهرة الترخيم عند النداء؛ كما في قولنا: "يا عائش"، بدلا مِن "يا عائشة"، وقد يكون الحذف سببًا في عدم ترتب الآثار الشرعية على التصرف؛ كمن قرأ بعض كلمات الفاتحة في الصلاة ناقصة الأحرف.

والمقصود بتحريف كلمة الطلاق: حذف أو تغيير حرف أو أكثر مِن حروف لفظ الطلاق الصريح؛ بحيث يخرج اللفظ عن وضعه اللغوي؛ وذلك كنطقها: "تالق" أو "تالئ" أو "طال" أو "طاق" أو "طالِئ" بدلا مِن "طالق"، وهذه الأخيرة هي التي اشتهرت على ألسنة أهل مصر وغيرهم.

والمقرر أن الطلاق الشرعي لا يقع إلا بلفظ أو ما يقوم مقامه؛ كإشارة الأصم والكتابة، فلو نواه بقلبه مِن غير لفظ لم يقع في قول عامَّة أهل العلم؛ لما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه -واللفظ لمسلم- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنَّ الله تَجَاوزَ لأُمَّتِي عمَّا حدَّثَت به أنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّموا أو يَعْمَلوا بِه»، ومُجَرَّد النية يُعَدّ مِن حديث النَّفْس المُتَجاوَز عنه، ولأن الطلاق تَصَرُّفٌ يزيل الملك، والملك لا يزول بمجرد النية؛ كالبيع والهبة والعتق، ولأن الطلاق أحد طرفي النكاح، فلم يصح بمجرد النية كالعقد. (راجع: الحاوي الكبير للماوردي 10/ 149، ط. دار الكتب العلمية، والمغني لابن قدامة 7/ 294، ط. دار الفكر).

وهذه الألفاظ والأفعال المعبِّرة عن الطلاق لا تقع جميعًا في مرتبة واحدة مِن حيث حصول أثرها؛ وذلك لأن بعض الألفاظ تعد صريحة في حَلّ عقد الزواج، وبعضها مِن الكنايات، وبعضها ليس بصريح ولا كناية، فهو غير معتبر في الطلاق أصلا.

فما ليس بمعتبر في الطلاق هو: ما لا دلالة له على الطلاق، ولا دلالة فيه على إرادة الفِراق، ولا يحتمله إلا على تأويل متعسِّف، فهو لَغْوٌ، كقوله: "اقعدي" و"اقربي" و"اطعمي" و"أَسقيني" و"بارك الله فيك"، وما أشبه ذلك، فإنه لا أَثَر له، ولا يقع به الطلاق وإن نوى؛ لأن اللفظ لا يحتمل الطلاق، فلو أوقعنا الطلاق: لكان واقعًا بمجرد النية، والطلاق لا يقع بمجرد النية كما سبق. (راجع: نهاية المطلب للجويني 14/ 65، ط. دار المنهاج، والمهذب للشيرازي 4/ 296، ط. دار القلم والدار الشامية).

وأما "الصريح" فالمراد به في باب الطلاق: ما لا يحتمل ظاهره غير الطلاق. (شرح البهجة الوردية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري 4/ 250، ط. الميمنية)، واللفظ الصريح محصور عند الشافعية في ثلاثة ألفاظ: الطلاق والفراق والسراح، وما اشتق منها -على تفصيل سيأتي-؛ لأن الأول اشتهر في معناه لغة وشرعًا، والأخيرين قد وردا في القرآن بمعنى الطلاق؛ قال تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا} [الأحزاب: 49]، وقال تعالى: {أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ} [الطلاق: 2]. (شرح المحلي على المنهاج 3/ 325-مع حاشيتي قليوبي وعميرة-، ط. دار إحياء الكتب العربية).

وصريح الطلاق لا يفتقر إلى نية لإيقاعه؛ لأنه لا يحتمل غيره، فلا يتوقف إيقاع الطلاق فيه على النية، فلو قال الزوج: "لم أنو بالصريح الطلاق" لم تُقبَل دعواه، ووقع الطلاق.

وأما "الكناية" فالمراد بها في باب الطلاق: ما احتَمل الطلاق وغيره، ووقوع الطلاق بها موقوف على النية، فإن نوى به الطلاق وقع، وإلا فلا.

قال الإمام الغزالي في "الوسيط" (5/ 376، ط. دار السلام): "حَدُّ الكناية ما يَحتَمل الطلاق ولو على بُعْد". اهـ.

ومِن أمثلة كنايات الطلاق: قوله: "أنت بَرِيّة"، و"أنت خَلِيّة"، و"الحقي بأهلك"، وغير ذلك مما ذكره الفقهاء وهو محتمل للطلاق وغيره.

وهذا الفرق بين الصريح والكناية هو ما جَرَت عليه الشريعة في عامة الأبواب، بأن ميزت بالنية بين المحتمل لعدة أمور، كما في التمييز بين العادات والعبادات فيما يحتملهما، والتمييز بين مراتب العبادات فيما يحتملها، فلا بد في كل ذلك مِن النية.

قال الإمام الزركشي في "المنثور" (2/ 310، ط. وزارة الأوقاف الكويتية): "الصريح لا يَحتاج إلى نية, وقد استُشكل هذا بقولهم: يُشترَط قَصْدُ حروفِ الطلاقِ لمعنَى الطلاق، وعلى هذا: فلا فرق بين الصريح والكناية, وقد تكلَّموا في وجه الجمع بكلام كثير, وأقرب ما يقال فيه: إن معنى قولهم: "الصريح لا يحتاج إلى نية"، أي: نية الإيقاع; لأن اللفظ موضوعٌ له، فاستغنى عن النية. أما قصد اللفظ فيُشترَط؛ لتَخرُج مسألةُ سَبْق اللسان، ومِن هاهنا يفترق الصريحُ والكنايةُ؛ فالصريح يُشترَط فيه أمرٌ واحدٌ، وهو: قصد اللفظ, والكناية يُشترَط فيها أمران: قصد اللفظ، ونية الإيقاع".

والمفهوم مِن كلام الإمام الزَّركشي أنه يشترط في كلٍّ مِن الصريح والكناية أن ينطق باللفظ مع قصد اللفظ لمعناه؛ بأن يكون مُستَعمِلا له في معناه، ويزاد على ذلك في الكناية قصد الإيقاع (مغني المحتاج 4/ 456- 457، ط. دار الكتب العلمية، وحاشية الشَّرواني على تحفة المحتاج 8/ 4، ط. المكتبة التجارية الكبرى).

وألفاظ الكناية كثيرة لا تنحصر، فالفقهاء في كلامهم على ألفاظ الطلاق لم يستوفوا كل الكنايات، بل عدَّدوا منها جملا، ثم أشاروا إلى ما لم يذكروه بضابط، وسكوت الفقهاء عن التعرض لبعض ألفاظ الكنايات بخصوصها إنما هو لكونها لم تقع في زمنهم، كما أنه ليس كل استعمال للألفاظ المشتقة مِن مادة (ط ل ق)، يكون صريحًا في الطلاق، بل منه ما يكون كناية رغم أنه مشتق منها، كما لو استعمل المصدر فقال لها: "أنت الطلاق" مثلا، ويُعَلَّل ذلك بأن المصادر غير موضوعة للأعيان وإنما تستعمل فيها توسعًا، وهو استعمال غير معتاد، وليس جاريًا على قياس اللسان، وكان كالمعدول عن الوضع والعرف، فصار كناية، بخلاف ما إذا وقعت مبتدآت أو مفعولات أو نحو ذلك، فإنها صرائح. ومثله: لو استعمل الفعل المحتمل للطلاق وغيره؛ نحو: "أطلقتك"، أو الصفة المحتملة كذلك؛ كـ: "أنت مُطْلَقة"؛ لاحتمالهما الطلاق وغيره، مع عدم اشتهارهما في معنى الطلاق. (راجع: الشرح الكبير للرافعي 8/ 509، ط. دار الكتب العلمية، ومغني المحتاج 4/ 457، 458).

والضابط في ذلك أن نقول: إن مأخذ الألفاظ الصريحة هو ورودها لغة أو شرعًا مؤديةً للمعنى الموضوع لها لا غير، ولا مدخل لغَلَبَة الاستعمال وشيوعه وحصول التفاهم في كون اللفظ صريحًا، وهذا ما نَصَّ عليه الإمام النووي في "المنهاج" (ص230، ط. دار الفكر) بقوله: "ولو اشتهر لفظ للطلاق؛ كالحلال أو حلال الله عليَّ حرام، فصريح في الأصح. قلت -يعني: النووي-: الأصح أنه كناية. والله أعلم". اهـ.

وعبارته في "الروضة" (8/ 25، 26، ط. دار عالم الكتب): "إذا اشتهر في الطلاق لفظ سوى الألفاظ الثلاثة الصريحة؛ كحلال الله عليّ حرام، أو أنت عليّ حرام... ففي التحاقه بالصريح أوجه، أصحها: نعم؛ لحصول التفاهم، وغلبة الاستعمال، وبهذا قطع البغوي، وعليه تنطبق فتاوى القَفَّال والقاضي حسين والمتأخرين. والثاني: لا، ورجَّحه المُتَوَلي. والثالث حكاه الإمام عن القَفَّال: أنه إن نوى شيئًا آخر مِن طعام أو غيره: فلا طلاق، وإذا ادعاه صُدِّق، وإن لم ينو شيئًا، فإن كان فقيهًا يعلم أن الكناية لا تعمل إلا بالنية، لم يقع، وإن كان عاميًّا، سألناه عما يفهم إذا سمعه مِن غيره، فإن قال: يسبق إلى فهمي منه الطلاق، حمل على ما يفهم، والذي حكاه الـمُتَوَلي عن القفَّال أنه إن نوى غير الزوجة فذاك، وإلا فيقع الطلاق؛ للعرف. قلت: الأرجح الذي قطع به العراقيون والمتقدمون أنه كناية مطلقًا -أي: بلا تفصيل بين العامي والفقيه- والله أعلم. وأما البلاد التي لا يشتهر فيها هذا اللفظ للطلاق، فهو كناية في حق أهلها بلا خلاف".

قال الإمام السيوطي في "فتح المغالق من أنت تالق" -ضمن كتاب "الحاوي للفتاوي" (1/ 205)، ط. دار الكتب العلمية-: "فانظر كيف صدر الفرع بضابط وهو: "أن يشتهر في الطلاق لفظٌ" ولم يخصه بلفظ دون لفظ، ولا يَظُنُّ أحدٌ اختصاصَه بلفظ "الحلالُ عليَّ حرامٌ" ونحوه، فإنما ذكر هذه على سبيل التمثيل". اهـ.

وقال العلامة شهاب الدين القَرافي المالكي في كتابه: "الفروق" (3/ 153، ط. عالم الكتب): "وضابطُ مشهورِ كلامِ الأصحاب: أن اللفظ إن دَلَّ بالوضع اللغوي فهو صريح، وهذا هو الطلاق; لأنه لإزالة مطلق القيد، يقال: لفظ مطلق، ووجه طلق، وحلال طلق، وانطلقت بطنه، وأطلق فلان مِن السجن... والكناية: ما ليس موضوعًا له لغة، لكن يحسن استعماله فيه مجازًا؛ لوجود العلاقة القريبة بينهما". اهـ.

ويظهر من كلام القرافي تعريف الصريح، وأن مداره على الوضع اللغوي، وأنه متى لم يكن اللفظ موضوعًا للمعنى: لم يكن مِن الصريح في شيء.

ويقول الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (7/ 300) في سياق حديثه عن الكنايات التي اشتهرت بين الناس في الطلاق: "ومفهوم كلام الخِرَقي: أنه لا يقع إلا بنية; لقوله: "وإذا أتى بصريح الطلاق وقع، نواه أو لم ينوه"؛ فمفهومه: أن غير الصريح لا يقع إلا بنية، ولأن هذا كناية, فلم يثبت حكمه بغير نية كسائر الكنايات". اهـ.

وقد سئل الإمام الرملي الكبير مِن الشافعية عن ألفاظ اشتهرت في الطلاق عند أهل "ضيار" ببلاد الهند وبلغتهم وليست ترجمة الطلاق فيها، بل هي ألفاظ اشتهرت على ألسنتهم عند التطليق, واشتهار هذه الألفاظ عندهم أكثر مِن اشتهار الطلاق في الطلاق، هل هي مِن ألفاظ الطلاق أو لا؟ وإذا قلتم: نعم، فهل هي كناية أو صريحة؟ وفي تطليق أهل هذه الديار بلفظ الطلاق مع عدم معرفتهم معناه وغاية معرفتهم أنه للفراق بين الزوج والزوجة، هل تطلق بذلك أو لا؟

فأجاب: بأن الألفاظ المذكورة ليست صريحة في الطلاق, ثم إن احتملت الطلاق فهي كناية فيه، وإلا فليس بكناية. ولفظ الطلاق مِن المذكورين صريح. (انظر: فتاوى الرملي 3/ 340، ط. المكتبة الإسلامية، وانظر: حاشيته على أسنى المطالب 3/ 270، ط. دار الكتاب الإسلامي).

وعلى ما ذُكِر: فكل صور التحريف والتبديل والحذف في لفظ الطلاق مِن كناياته التي تحتاج إلى تحقق قصد معنى الطلاق ووجود النية، ومِن ذلك: "أنت تالق"، أو "أنت دالق"، أو "أنت طالك"، أو "أنت طال"، أو "طال"، أو "أنت طاق"، أو "أنت تالك"، أو "أنت دالك"، أو "أنت طالئ"، فكل هذه الألفاظ مِن قبيل الكنايات لا مِن الصرائح.

قال الإمام السيوطي في "فتح المغالق" (1/ 207): "والحاصل: أن هنا ألفاظًا بعضها أقوى من بعض: فأقواها تالق، ثم دالق -وفي رتبتها طالك-، ثم تالك، ثم دالك وهي أبعدها، والظاهر القطع بأنها لا تكون كنايةً طلاق أصلا.

ثم رأيت المسألة منقولة في كتب الحنفية؛ قال صاحب "الخلاصة": وفي "الفتاوى": رجل قال لامرأته: أنت تالق، أو تالغ، أو طالغ، أو تالك، عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل: أنه يقع وإن تعمد وقصد أن لا يقع، ولا يصدق قضاء ويصدق ديانة، إلا إذا أشهد قبل أن يتلفظ وقال: إن امرأتي تطلب مني الطلاق ولا ينبغي لي أن أطلقها فأتلفظ بها قطعًا لعلتها، وتلفظ، وشهدوا بذلك عند الحاكم، لا يحكم بالطلاق. وكان في الابتداء يفرق بين الجاهل والعالم كما هو جواب شمس الأئمة الحلواني، ثم رجع إلى ما قلنا. وعليه الفتوى". اهـ.

ويدل على أن تحريف كلمة الطلاق على الوجه المذكور يخرجها من الصريح إلى الكناية جملة من الأدلة؛ منها ما يلي:

الدليل الأول: أن اللفظ الصريح إنما يؤخذ مِن ورود القرآن به، أو موافقته الوضع اللغوي، فإذا اشتهر عرفًا لفظٌ للطلاق ولم يَرِد به القرآن ولا ورد به عرف اللغة فإنه يخرج عن أن يكون صريحًا، ويصير كناية.

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في أسنى المطالب (3/ 272): "الصريح إنما يؤخذ من القرآن" اهـ، ولعل سبب هذا ما فيه من معنى التعبد.

(راجع: نهاية المطلب للجويني 14/ 104 وما بعدها، والمنثور في القواعد للزَّركشي 2/ 306، 308، والأشباه والنظائر ص293، ط. دار الكتب العلمية، والحاوي للفتاوي للسيوطي 1/ 207، ط. دار الكتب العلمية، وحاشية الشَّبْرَامَلِّسي على نهاية المحتاج 6/ 429، ط. دار الفكر، وحاشية الشِّرْوَاني على تحفة المحتاج 8/ 4، والشرح الكبير للرافعي 8/ 527).

الدليل الثاني: وهو مبنيٌّ على معرفة أن الصريح والكناية يُفرَّق بينهما مِن وجهين:

أحدهما: أن الصريح لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فحُمِل على موجبه مِن غير نية، والكناية تحتمل أكثر مِن معنى، فلم تنصرف إلى أحدهما إلا بنية؛ كالعبادات: ما كان منها لا يعقد إلا على وجه واحد -كإزالة النجاسة- لم يفتقر إلى نية، وما كان محتملا -كالصوم- لم يصح أن يكون عبادة إلا بالنية.

والثاني: أن الصريح حقيقة، والكناية مجاز، والحقائق يفهم مقصودها بغير قرينة، والمجاز لا يُفهَم مقصوده إلا بقرينة، فلذلك افتقرت الكناية إلى نية، ولم يفتقر الصريح إلى نية. (انظر: الحاوي الكبير للماوردي 10/ 166).

وتخريجًا على هذا يقال: متى تحقق الوجهان في اللفظ المحرَّف، خرج مِن باب الصريح، وصار كناية يحتاج إلى نية، وهذه الألفاظ السابقة قد حُذِفَ حَرفٌ مِن حروفها الأصلية أو أُبدِلَ بحرفٍ آخر، فخرجت عن انحصارها في معنى واحد، وصارت تحتمل أكثر مِن معنى، وخرجت عن أن تكون حقيقة؛ لأن الحقائق يفهم مقصودها بغير قرينة، وهذه التي دخلها الإبدال أو الحذف لا يفهم مقصودها إلا بقرينةِ ملاحظة المحذوف أو المُبدَل. فقرينة الإبدال في هذه الألفاظ موجودة ومتحققة، وهي التي بسببها انصرف اللفظ مِن كونه صريحًا إلى كونه كناية؛ فإن الصريح لا يحتاج في فهم معناه إلى قرينة، ولفظ "طالئ" ونحوه لا يفهم المقصود منه إلا بملاحظة قرينة الإبدال، ولو سمعه العالم بلسان العرب دون أن يعرف ما استجد عند العامة مِن هذا الإبدال لتوقف في فهم المراد، ولم يحمله على شيء، ولو وُقِّف على هذه العادة بالإبدال لحمله بالقرينة، ومتى احتاج فهم معنى اللفظ إلى قرينة صار كناية، ومتى صار كناية احتاج إلى نية.

الدليل الثالث: سبق أن الشافعية يعلِّلون كون قوله: "أنت طلاق"، وقوله: "أنت الطلاق" كناية في الأصح بأنه كالمعدول عن الوضع، وهذه العلة موجودة في الكلمات المحرَّفة كـ "طالئ" ونحوها؛ فإنها معدول بها عن الوضع، وهذا العدول هو العلة الأساسية في إخراجها مِن باب الصريح إلى الكناية. (انظر: الشرح الكبير للرافعي 8/ 509).

الدليل الرابع: أن ثبوت الحُكم يقتضي ثبوت الاسم، وانتفاء الاسم يقتضي انتفاء الحكم (انظر: الحاوي للماوردي 10/ 158)، ومقتضى هذه القاعدة أن ثبوت حكم الطلاق يقتضي ثبوت اسم الطلاق، وانتفاء اسم الطلاق في صورة: "تالق، وطالئ" ونحوهما يقتضي انتفاء حكم الطلاق، فيصير بناء على هذه القاعدة لغوًا لا حكم له، لكن لما اشتهر استعماله عرفًا خرج عن أن يكون لغوًا، ولم يلتحق بأن يكون صريحًا؛ لعدم وروده في القرآن أو كونه موافقًا للوضع اللغوي، فلم يبق إلا أن يكون كناية يحتاج إلى نية.

الدليل الخامس: تَقَدَّم أنه ليس كل استعمال للألفاظ المشتقة مِن مادة (ط ل ق) يصير صريحًا في الطلاق، بل منه ما يكون كناية رغم أنه مشتق مِن مادة (ط ل ق)، كما لو استعمل المصدر فقال لها: "أنت الطلاق"، أو الفعل نحو: "أطلقتك"، أو الصفة نحو: "أنت مُطْلَقة"، فإذا كان الأمر كذلك: فإبدال حرف أو أكثر مِن مادة (ط ل ق) أولى بالنزول عن رتبة الصريحية إلى الكناية، بل ربما خرج عن باب الطلاق أصلا، ولم يدل عليه لا صراحة ولا كناية.

الدليل السادس: أن الكلمة الواردة في اللغة لها نطقٌ يدل عليها، فإذا نُطقت محرَّفة؛ فإن تغيَّر المعنى دلَّت على المعنى الجديد دون القديم المحرَّف عنه، وذلك كنطق الضاد ظاءً مُشَالَة، ونطق القاف همزة، ولذلك نصَّ الشافعية على أن مَن قرأ الفاتحة في الصلاة وقال: "ولا الظالين" بدلا مِن: {وَلَا ٱلضَّآلِّينَ} [الفاتحة: 7]، أو "المستئيم" بدلًا مِن: {ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، لم تصح منه هذه الكلمات؛ وبالتالي الفاتحة، وبطلت صلاته إن كان عامدًا عالمًا بالبطلان. وإن لم يتغيَّر المعنى بالتحريف، فلا أثر لهذا التحريف، ولذلك نَصُّوا على صحة صلاة مَن قرأ بالواو بدل الياء مِن {ٱلۡعَٰلَمِينَ} في الفاتحة. (راجع: حاشية الباجوري على شرح ابن قاسم الغزي لمتن أبي شجاع 1/ 155، ط. عيسى الحلبي، وحاشية الرملي على أسنى المطالب 1/ 151، وحاشية البجيرمي على الإقناع 2/ 25، دار الفكر).

أما إذا حُرِّفت ولم تدل على أي معنًى، فإنها تصير كاللفظ المهمل لا المستعمَل؛ لأن الكلام العربي المستعمَل هو ما وضعته العرب ليدل على معنى معيَّن، وله قوانين لا يجوز تغييرها، ومتى غُيِّر ولم يدل على معنًى حُكِم عليه بأنه ليس بعربي، فصار مهملا، وقد اتفقوا على أن المهمل لم تضعه العرب قطعًا (انظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار ص35، ط. مطبعة السنة المحمدية)، ومِن ثمَّ فإذا حُرِّفت الكلمة وخرجت عن نطاق الوضع العربي -كما في "تالق، وطالئ" ونحوهما- لم يَجْرِ عليها ما يجري على لفظ الطلاق الصريح وهو لفظ "طالق" ونحوه؛ لمخالفتها قوانين الكلام العربي، ولكونها لم توضع مِن العرب أصالة للدلالة على معنى الطلاق، فإنه إنما يُستدل على صريحية الكلمة في الطلاق بورودها شرعًا أو لغة مؤدية للمعنى الموضوع لها لا غير، فإذا لم تكن كذلك فقد دخل دلالتَها مِن الاحتمال ما يُخرجها عن الصريح إلى الكناية.

أهم أخبار متابعات

Comments

عاجل