المحتوى الرئيسى
تريندات

لحظات ما قبل رفع الستار: وجوه قلقة وأجساد واثقة.. و"غصب عني أرقص"

01/21 10:02

داخل غرفتها الصغيرة، جلست العشرينية آية عادل، وقد بدا عليها الارتباك، ملامح وجهها الطفولى سيطر عليها شىء من القلق، فما هى إلا دقائق تفصلها عن وقوفها فوق خشبة المسرح، مؤدية واحدة من الرقصات فى عرضها الأول ضمن عروض فرقة الفنون الشعبية الأشهر على مستوى مصر والعالم العربى وربما على مستوى العالم أجمع، دقات قلبها تزداد شيئاً فشيئاً كلما أخذت فى وضع اللمسات الأخيرة على الزى المخصص للرقصة، فهو حلمٌ طالما راودها منذ الصغر، أن تكون جزءاً من قوام فرقة «رضا».

لم يمر على انضمام «آية» للفرقة سوى بضعة أسابيع فقط، جاءت من محافظة الإسكندرية لتشارك فى عرضهم المقام على مسرح البالون بمحافظة الجيزة، ضمن احتفالات الفرقة بالذكرى الـ60 لتأسيسها، لم يزعجها أن تكون مشاركتها «على قوة عرض»، ما مفاده أن انتهاء العرض يعنى انتهاء صلتها بالفرقة إلى حين احتياجهم لها فى عرض جديد، لم تفكر «آية» فى كل هذا، وإنما فكرت فقط فى تحقيق حلمها الذى تمنته منذ زمن بعيد: «أنا أصلاً بلعب باليه من وأنا عندى 3 سنين، ولما الموضوع اتطور شوية دخلت فرقة إسكندرية للفنون الشعبية، ومن وقتها كان نفسى جداً أكون فى فرقة رضا، لأنهم كانوا بييجوا وأنا صغيرة يعملوا عروض عندنا فى إسكندرية، وكنت بروح مع بابا أتفرج عليهم، وكنت دايماً أقول له أنا نفسى أدخل الفرقة دى، والحمد لله دخلتها».

رغم القلق والارتباك الذى كانت عليه «آية» فإن فرحتها بأداء رقصة على المسرح، كما تقول، تزيل عنها كل ذلك بمجرد البدء فيها، تدعو ربها فى كل رقصة تشارك فيها أن تكون على قدر ثقة المدربين بها، فتحاول تنفيذ تعليماتهم «بالحرف الواحد»، سواء تلك التى فى أيام البروفات، أو الأخرى الآتية لها من «الكواليس» قبل وأثناء الرقص، لا تشتت انتباهها بأى شىء آخر، فقط تحاول أن تُبقى على «ضحكتها» كما يُطلب منها.

خارج الغرفة كانت الحركة لا تهدأ فى الكواليس محدثة ضوضاء تسللت إلى الداخل، الجميع يستعد للعرض بعد أن امتلأت الصالة بالجمهور خلف الستائر المغلقة، شباب وفتيات يقطعون الطرقات الضيقة مسرعين جيئة وذهاباً، أبواب غرف تُفتح ليخرج منها أصحابها وقد بدوا فى أتم استعداد للعرض، بينما أبواب أخرى ما زالت مغلقة على من فيها، لم يرهبهم ضيق الوقت المتبقى، فقط يستعدون فى هدوء، كما هو الحال الذى كان عليه الثلاثينى، محمد شحاتة، فـ17 عاماً قضاها داخل «فرقة رضا» جعلته يستمد الثقة فيما يقوم به يوماً بعد آخر.

حب «شحاتة» للفنون الشعبية بدأ قبل انضمامه إلى «فرقة رضا» بأعوام طويلة، حينما كان يمارس هذه «الهواية» ضمن فرقة لأحد مراكز الشباب، إلى أن قرأ إعلاناً فى إحدى الصحف تطلب فيه «فرقة رضا» عناصر جديدة، لم يتردد حينها لحظة واحدة، على حد قوله: «عشان أنا كان نفسى أكمل فى مجال الفنون الشعبية قدمت، حبيت ساعتها إنى أشوف فرقة رضا المعروفة على مستوى العالم دى، وإنى أكون واحد من ضمن الفريق بتاعها، حبيت إنى أدخل وفعلاً دخلت وبقيت من الأساسيين اللى فى الفرقة».

استمر «شحاتة» فى ارتدائه ملابس الرقصة التى سيبدأها بعد قليل، يتحرك بين جنبات الغرفة، التى يشاركه فيها أحد زملائه، بهدوء تام، تلك الغرفة الضيقة قصيرة السقف لم يكن لديه مثلها فى مركز الشباب الذى كان يرقص فيه، يتذكر هذه الفترة، ويعلم الفارق جيداً بينها وبين هذه «المرحلة المختلفة» التى يعيشها الآن مع «فرقة رضا»، عبر عن ذلك بنبرة صوت منخفضة، قائلاً: «الرقص فى مركز الشباب مختلف تماماً عن الرقص هنا، أنت فى فرقة رضا بتتعلم أسس وقواعد وحاجات كتيرة جداً، غير اللى بره تماماً، فى مركز الشباب انت فى حاجة بدائية جداً، متزيدش عن هواية، لكن لما تكون فى فرقة رضا دى حاجة مختلفة جداً واحترافية كبيرة جداً، اسم فرقة رضا نفسها كبير مش صغير، العالم كله بييجى هنا عشان يتعلم مننا يعنى إيه فنون شعبية».

يعود «شحاتة» بذاكرته إلى الرقصة الأولى له مع «فرقة رضا»، وقتها لم يكن دوره فيها كبيراً، اقتصر فقط على التصفيق فى رقصة ضمن الأشهر بين رقصات الفرقة، «الحجالة»، لا يتمكن أبداً، على حد قوله، من نسيان وقوفه خلف الراقصين لا يحرك معهم سوى يديه، فى مشهد كان «كالحلم» بالنسبة له: «وقتها كانت حاجة كبيرة جداً بالنسبة لى رغم إنى مرقصتش، كنت كأنى فى حلم والحلم فضل يكبر بيّا لحد ما أنا دلوقتى طالع أعمل رقصة هكون أساسى فيها، وبعد ما كنت بصقف بس بقى ليّا دور كبير جداً».

على مسرح العرض، كانت الأجواء تزداد حماسة كلما مر الوقت، بعض ترتيبات يتم إنجازها بحركات سريعة، أصوات ترتفع وتتداخل مع بعضها البعض، ما بين توجيهات من مدربى الفرقة، وأحاديث جانبية بين مجموعات متفرقة من الشباب والفتيات أعضاء الفرقة، كانت كلها حول اللحظات الأولى لفتح الستار، من سيقوم بماذا، وبأى طريقة سيكون الظهور الأول، الكل ينتظر ويترقب، والبحث عن «مقدم العرض» بات أمراً ضرورياً، فهو لم يخرج من غرفته بعد.

فى ثياب فضفاضة بيضاء، وعقال يشده على رأسه، كان يقف محمد الفرماوى، صاحب الـ46 عاماً، أقدم راقصى فرقة رضا الممارسين حتى الآن، أمام مرآة غرفته وقد أخذ ينهى استعداداته للخروج إلى المسرح من أجل تقديم العرض، فى عمل لا يوجد بين أعضاء الفرقة من الراقصين من هو أكثر خبرة منه ليقوم به، اكتسبها على مدار 27 سنة من الرقص داخل الفرقة، وزاد على خبرته أنه تتلمذ على يد مؤسس الفرقة محمود رضا، ما يعتبره «شرفاً كبيراً» له.

كبر سن «الفرماوى» لم يمنعه من استمراره فى تقديم الرقصات فى عروض فرقة رضا، كان الدافع له وراء ذلك، على حد قوله، هو خوفه على الفرقة التى تعانى من قلة العناصر بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، مرجعاً ذلك إلى «سياسة التوظيف» المتبعة، التى لن تساعد على ارتقاء الفرقة يوماً ما، وفق قوله: «محمود رضا كان دايماً يقول الفن ما فيهوش وظيفة، وسياسة التوظيف فى الفرقة دلوقتى هو اللى عاملة لنا المشاكل، لأن الدولة مافيهاش تشغيل من حوالى 8 سنين، وده أثر فينا بالسلب ومتوسط الأعمار فى القوام الأساسى للفرقة بقى حوالى 38 سنة، وده رقم كبير جداً فى فرقة فنون شعبية».

بشكل كامل، أصبح «الفرماوى» مستعداً لتقديم العرض، يقلب فى الأوراق التى بين يديه ليعيد على مسامعه ما سيقوله للجمهور من خلف ستار المسرح، بعض جمل كتبها بعناية، حاول من خلالها أن يبرز «القيمة الكبيرة» لفرقة رضا التى اعتبرها «براند» فى الفنون الشعبية، وهو الأمر الذى تحتاج الفرقة إلى إبرازه بصورة كبيرة فى هذه الآونة، فهى لم تعد كما كانت فى سابق عهدها تغرد منفردة فى سماء الفنون الشعبية، وإنما أصبح لها منافسون كثر، يزيد عددهم، وفق قوله، على 50 فرقة تابعة للدولة، ما جعل اهتمام الدولة نفسها بالفرقة أقل مما سبق.

سمع «الفرماوى» صوتاً مألوفاً بالنسبة له، أخرجه من استغراقه فى ترديد ما هو مكتوب فى الورق بين يديه، تبع ذلك فتح باب غرفته، كان مدرب الفريق أحمد فاروق، على وجهه ارتسمت ملامح الجدية، إدارته لترتيبات فتح ستار العرض جعلته يؤدى كل ما يقوم به بشكل سريع، بدا ذلك واضحاً من استعجاله لـ«الفرماوى» بالخروج إلى المسرح، فبعد ثوانٍ يجب أن يخرج صوته للجمهور معلناً بداية العرض.

يقوم «فاروق» بهذا الدور منذ 4 أعوام تقريباً، بعد قضاء نحو 25 عاماً راقصاً داخل الفرقة قرر فى نهايتها الاعتزال والبقاء فقط «فى الكواليس»، يقدم للعناصر الشابة خبراته من خلال التدريب، تلك العناصر التى تقلصت مع مرور الزمن، على حد قوله، فبعد أن كان القوام الأساسى للفرقة يزيد على 70 عضواً من الشباب والفتيات، أصبحوا الآن لا يزيدون على 22 عضواً، يضاف إليهم 6 مدربين من الرجال والإناث، وهو الأمر الذى يشكل العقبة الأكبر أمام تطوير الفرقة من وجهة نظره: «نتمنى إن الدولة تبص لنا بشكل أفضل من كده، ورغم إنهم عملوا لنا حاجة اسمها على قوة عرض، لكن ده بالنسبة لينا مش أفضل حاجة، لأن الناس دى منقدرش نعتمد عليهم اعتماد كامل، لأنه فى أى وقت ممكن يسيبنى ويمشى».

أهم أخبار فن وثقافة

Comments

عاجل