بالمخالفة للقانون.. «المرشدي» يهدم تراثا مصريا لإقامة فندق خاص

بالمخالفة للقانون.. «المرشدي» يهدم تراثا مصريا لإقامة فندق خاص

منذ ما يقرب من 6 سنوات

بالمخالفة للقانون.. «المرشدي» يهدم تراثا مصريا لإقامة فندق خاص

حينما فكّر الخديو إسماعيل في تحديث القاهرة، أراد لها الطراز الباريسى الذى رآه فى زياراته لمدينة النور، إلا أن جمال الشرفات والأعمدة اليونانية، والتماثيل الإيطالية، والمشربيات الإسلامية، خطفت قلبه وقلوب مصممي القاهرة الخديوية أو الإسماعيلية -نسبة إلى إسماعيل- فمزجوا أرواح تلك العواصم جميعها في جسد واحد، ليصنعوا في النهاية طرزا معمارية بالغة الإبداع والجمال، وتتحول القاهرة إلى مدينة «كوزموبوليتانية»، فظلت تلك المباني شاهدة على حضارة وتراث معماري عظيم، بدأ نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وحتى الآن.\nإلا أن عددا من الباحثين عن جمع المزيد من الأموال، والمخربين، رفضوا أن يظل تراث هذا البلد حاضرًا لسنوات طويلة، فشرعوا في هدم المباني والفيلات، التي صنفتها وحصرتها الدولة ضمن قائمة طويلة من المباني التراثية تضم نحو 6500 مبنى، رغم حظر الدولة لذلك، ولكن ما أكثر الحيل والطرق الملتوية، لتحقيق رغباتهم في تكديس الأموال، حتى إن كان ذلك على حساب التراث الإنساني والتاريخي لبلدهم، سواء كان ذلك من خلال الرشاوى وفساد بعض الموظفين، أو في الحصول على أحكام قضائية، بخروجها من سجل التراث.\nحصلت «التحرير» على مستندات تشير إلى تورط رجل الأعمال محمد المرشدي، مؤسس مجموعة دجلة للاستثمار العقاري، في هدم إحدى الفيلات الواردة ضمن حصر الفيلات والمباني ذات الطراز المعماري المتميز المرتبطة بالتاريخ القومي -مملوكة له- بالمخالفة للقانون.\nبالرغم من حظر قانون رقم 144 لسنة 2006، ﺑﺸﺄن ﺗﻨﻈﻴﻢ هدم اﻟﻤﺒﺎﻧﻲ واﻟﻤﻨﺸﺂت ﻏﻴﺮ اﻵﻳﻠﺔ ﻟﻠﺴﻘﻮط، واﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺮاث اﻟﻤﻌﻤﺎري، والذي تنص مادته الثانية على: «يحظر الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز المرتبطة بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية أو التي تمثل حقبة تاريخية أو التي تعتبر مزارًا سياحيًا، وذلك مع عدم الإخلال بما يستحق قانونًا من تعويض».\nهدم تراث مصري.. لبناء «فندق»\nمحرر «التحرير» انتقل لموقع الفيلا المطلة على ميدان النهضة، أمام كنيسة مارمرقس بالمعادي، للوقوف على حقيقة الأمر، وهل تم وقف الهدم، أم لا، وكانت المفاجأة.. تم إزالة الفيلا بالكامل، بل وتم بناء مبنى ضخم في نفس المكان، وبسؤال العاملين بالموقع عن ماهية المبنى، علمنا أن المبنى الذي حل محل الفيلا ذات القيمة والطراز المعماري المتميز، سيصبح فندقًا لاستقبال الراغبين في قضاء «ليال فندقية ساهرة»، موضحًا أنه تم الانتهاء من بناء الهيكل الخرساني بالكامل، وجار توصيل المرافق الخاصة بالمبني، ورصدنا وجود إعلانات تحمل التصميمات الهندسية للفندق، تحيط بالمبنى.\nاضطراب في حي المعادي بعد السؤال عن فيلا «المرشدي»\nتوجهنا على الفور لمبنى حي المعادي، للبحث عن إجابة لسؤال: كيف هدم المرشدي جزءا من تراث مصر؟ ليحل محله فندق؟ وهل حصل على رخصة بناء أم بنى بطريقة مخالفة؟\nتوجهنا في البداية للمركز التكنولوجي بالحي، الذي أكد لنا عدم امتلاك مالك العقار، رخصة بناء لهذا الفندق، حاولنا الحصول على أمر كتابي يفيد بهذا الكلام، وحينما تواصلنا مع موظفي التنظيم بالحي المسئولين عن منح تراخيص الهدم والبناء والحصر، رفضوا إعطاءنا أية مستندات كتابية، بل واضطربوا كثيرًا حينما علموا أن الفيلا محل السؤال، ملك محمد المرشدي، وتغير الكلام فجأة، قائلين: «أيوه معاه ترخيص بناء، خده من المحكمة».\nلم نكتف بذلك وذهبنا للحي من جديد، للقاء رئيس الحي عمرو فكري -الذي تم تغييره منذ أيام- والذي أكد لنا حصوله -المرشدي- على ترخيص بناء، وحينما طلبنا نسخة منه، قال لنا: «ماعرفش رقم الترخيص كام، هات لنا رقمه واحنا نحاول نجيبه».\nبداية القصة.. محافظ القاهرة يتقدم ببلاغ للنائب العام\nأثار خبر في إحدى الصحف حول هدم 8 فيلات بالمعادي، حفيظة عبد العظيم وزير محافظ القاهرة -في 2007- جعله يتقدم ببلاغ للنائب العام، ضد مدير منطقة الإسكان بالمعادي ومحامي شركة دجلة للاستثمار العقاري -المملوكة لمحمد المرشدي- بتهمة إصدار تصاريح هدم مزوّرة وتقليد خاتم الشعار وتوقيع محافظ القاهرة، لـ8 فيلات بينها الفيلا سالفة الذكر.\nوأثبتت التحقيقات صحة الاتهامات، واستدعت النيابة رجل الأعمال محمد المرشدي، لسؤاله، حيث قال إنه أصدر توكيلاً للمتهم الأول بصفته محامي الشركة التي يملكها -المرشدي- نظرًا لقدرته الفائقة في التعامل مع حي المعادي، كما أنه أصدر العديد من رخص الهدم لفيلات مشابهة، لرجال أعمال وشخصيات ذات ثقل في الدولة.\nتم تكليف المهندس جمال محمود، مهندس تنظيم المعادي وطرة، الذي كشف أن ترخيص الهدم الذي صدر لفيلا المرشدي، لم يتم عرضه على لجنة المباني غير الآيلة للسقوط للموافقة عليه من عدمها، طبقًا للقانون رقم 144 لسنة 2006، وتم تمريره بالمخالفة للقانون، ليصبح ترخيص الهدم منعدما قانونًا وكأنه لم يكن، كون الفيلا واردة ضمن حصر الفيلات ذات الأهمية العمرانية.\nوبناءً عليه فإن محمد حسن محمود المرشدي، مالك الفيلا، قد قام بالهدم بدون ترخيص، لذا تم تحرير محضر ضده والحكم على المخالف بالعقوبات الواردة في المادة الثانية عشرة من القانون سالف الذكر، وتم إعلامه عن طريق البريد، وعن طريق الشرطة.\nرئيس حي المعادي يستغيث بمأمور القسم لوقف الهدم واستدعاء المرشدي\nفور اكتشاف الأمر، ناشد اللواء إسماعيل طاحون رئيس حي المعادي -آنذاك- مأمور قسم شرطة المعادي، باستدعاء المرشدي ووقف هدم المبنى فورًا، في خطاب رسمي -حصلت التحرير على نسخة منه- بتاريخ 26 إبريل عام 2007، ومطالبًا بضرورة عمل محضر رسمي بذلك والإفادة واعتبار الموضوع ذا أهمية قصوى، جاء به: السيد مأمور قسم شرطة المعادي وطرة.. برجاء التكرم بالتنبيه فورًا ومشددًا باستدعاء مالك الفيلا الكائنة 60 شارع دمشق -وتحمل 56 شارع النهضة- وإعلانه بوقف الهدم للفيلا الكائنة فورًا، لكونها واردة ضمن حصر الفيلات والمباني ذات الأهمية العمرانية برقم 56 شارع النهضة.\nويضيف الخطاب: ويعتبر ترخيص الهدم الصادر من حي المعادي منعدما، لمخالفته للقانون رقم 144 لسنة 2006، وتعتبر أعمال هدم بدون ترخيص، وفقًا لأحكام المادة الثانية عشرة من هذا القانون، وبالتالي ينطبق عليها أحكام الفقرتين الأولى والثانية التي تضمنت: «مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر يعاقب كل من هدم كليا أو جزئيا مبنى أو منشأة مما نص عليه فى الفقرة الأولى من المادة الثانية من هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لاتقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على خمسة ملايين جنيه. ويترتب على هدم المبنى أو المنشأة المشار إليهما فى الفقرة السابقة عدم جواز البناء على أرضهما لمدة خمسة عشر عاما إلا فى حدود المساحة والارتفاع اللذين كانا عليهما قبل الهدم، وذلك دون الإخلال بما تحدده اشتراطات البناء من مساحة أو ارتفاعات أقل.\nوتأسيسًا على ما تقدم، يتم إخطار المذكور بأنه تم إيقاف السير في إجراءات طلب ترخيص البناء المقدم منه للبناء على الموقع المذكور، وتحذيره من الشروع في أي أعمال بناء بدون ترخيص، وإلا سيتم اتخاذ كل الإجراءات اللازمة حيال ذلك.\nالحبس وغرامة تصل لـ5 ملايين جنيه.. عقوبة الهدم\nحددت المادة الثانية عشرة بقانون حماية العقارات الأثرية، العقوبة التي من المفترض أن يتم توقيعها على كل من هدم مبنى\nعلى: مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر يعاقب كل من هدم كليا أو جزئيا مبنى أو منشأة مما نص عليه فى الفقرة الأولى من المادة الثانية من هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على خمسة ملايين جنيه.\nوإذا وقف الفعل عند حد الشروع فيه جاز للقاضى أن يقضى بإحدى هاتين العقوبتين.\nويترتب على هدم المبنى أو المنشأة المشار إليهما فى الفقرة السابقة عدم جواز البناء على أرضهما لمدة خمسة عشر عاما إلا فى حدود المساحة والارتفاع اللذين كانا عليهما قبل الهدم، وذلك دون الإخلال بما تحدده اشتراطات البناء من مساحة أو ارتفاعات أقل.\nويجب الحكم بشطب اسم المهندس أو المقاول المحكوم عليه من سجلات نقابة المهندسين أو الاتحاد المصرى لمقاولى التشييد والبناء بحسب الأحوال، وذلك لمدة لا تزيد على سنتين، وفى حالة العودة يكون الشطب لمدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات.\nويعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز مليون جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من هدم أو شرع فى هدم مبنى أو منشأة مما يخضع لأحكام الفقرة الثانية من المادة الثانية من هذا القانون، وكل من خالف أيا من أحكام المادتين الثانية والعاشرة والفقرة الثانية من هذه المادة.\nوفى جميع الأحوال يقضى بوقف الأعمال المخالفة، وينشر الحكم فى جريدتين يوميتين واسعتى الانتشار على نفقة المحكوم عليه، وإخطار نقابة المهندسين أو الاتحاد المصرى لمقاولى التشييد والبناء بأحكام الشطب.\nسكان المعادي يستغيثون: «أوقفوا مجزرة هدم فيلات المعادي»\nوأطلق عدد كبير من سكان منطقة المعادي نداءات واستغاثات، لوقف ما سموها بمجزرة هدم فيلات المعادي، قائلين: «ضاحية المعادي بساكنيها تستنجد بسيادتكم لإنقاذنا مما يحدث بها حاليا من تعد صارخ على بنيتها العمرانية والجمالية وبنيتها الأساسية من مرافق وصرف صحي ومياه وكهرباء، طبقا لما صدر أخيرا من قرارات هدم لعديد من الفيلات في هجمة سريعة منظمة حولت الضاحية إلى أطلال في كل مكان، وتقضي على الطابع الخاص بالضاحية والتي طالما تميزت بالهدوء وكانت دائما الاختيار الأول للجاليات الأجنبية للسكني بها منذ إنشائها عام 1904».\nونظرا للطبيعة المعمارية والجمالية والطابع العمراني والمعماري الفريد للمعادي، فقد تم اعتبار المعادي "منطقة ذات قيمة متميزة" طبقا للقانون رقم 119 لسنة 2008.\nتقول المهندسة أسماء الحلوجى، مدير جمعية محبي الأشجار بالمعادي، إن أهالى المعادي يرفضون التعدي الصارخ على الحي والهجمة الشرسة لهدم العديد من الفيلات حتى تحولت الضاحية إلى أطلال، حيث بلغ عدد الفيلات المهدمة إلى 14 فيلا خلال العام الجارى، بل نترقب حصول 30 فيلا أخرى على تراخيص هدم لصالح حفنة قليلة من المقاولين، كي يزدادوا ثراء على حساب سكان المعادي.\nأضافت أن سكان المعادي يستغيثون بكل الجهات المسؤولة بالدولة لإنقاذهم مما يحدث بها حاليا من تعد صارخ على بنيتها العمرانية والجمالية، وبنيتها الأساسية من مرافق وصرف صحي ومياه وكهرباء.\nوأوضحت أن المعادي من الضواحي ذات الطابع الخاص بمحافظة القاهرة حيث تميزت بالهدوء وكانت دائما الاختيار الأول للجاليات الأجنبية للسكن بها منذ إنشائها عام 1904، ونظرا للطبيعة المعمارية والجمالية والطابع العمراني والمعماري الفريد تم اعتبارها منطقة ذات قيمة متميزة طبقا للقانون رقم 119 لسنة 2008.\nوأشارت إلى أن المعادي كانت دائما تتميز بفيلات ذات دور واحد أو اثنين ونسبة بناء ضئيلة وشوارع ضيقة تظللها الأشجار وبعد هذا العدد الكبير من الفيلات التى تم هدمها في الفترة الأخيرة، وبناء عمارات بنسب بناء أعلى، حيث دمرت الحدائق وهو ما ترتب عليه زيادة الكثافة السكانية بشكل لم يتم وضعه في الاعتبار عند تصميم المرافق، إضافة إلى زيادة في أعداد السيارات بالشوارع الضيقة، وهذا يسبب كارثة على المرافق وزحاما مروريا مرعبا.\nوطالبت الحلوجي بوقف ترخيص هدم أي فيلا في المعادى ومنع تراخيص مبان جديدة، مشيرة إلى القانون 106 لسنة 1976 ولائحته التنفيذية لتوجيه وتنظيم أعمال البناء، والمعدل بالقانون 101 لسنة 1996 ولائحته التنفيذية بقرار وزير الإسكان والمرافق برقم 268 لسنة 1996 في الفصل الثاني مكررالخاص بالاشتراطات البنائية في منطقة المعادي، التي تنص على أنه لا يجوز أن تزيد المساحة المبدئية على 50% من مساحة الأرض المرخص البناء عليها ويكون الحد الأقصى لارتفاع البناء 3 أدوار متكررة فوق الأرضي أو مثل عرض الطريق أيهما أقل، وهي الاشتراطات التي منحتها المحكمة الدستورية العليا قوة القانون و"حقوق ارتفاع لا يجوز مخالفتها"، وذلك في الحكم رقم 55 لسنة 88 قضائية بجلسة 22 -3-1997.\nكانت الدولة قد عرفّت تلك المباني والمنشآت قائلة: «المناطق التاريخية المتميزة عمرانيا ومعماريا في عصور إسلامية وقبطية خلال القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، وفقا للوائح المنظمة للمبنى التراثية في مصر، ويتم تقسيمهم إلى 3 مجموعات هي: مبانٍ ذات طراز معماري فريد، أو تابعة لحقبة تاريخية معينة، أو كانت مسكنا خاصا لإحدى الشخصيات المهمة والتاريخية أيضا». والقانون يعتبر أن المناطق ذات القيمة التراثية، وما يحيط بها من مبانٍ وميادين وحدائق وشوارع، مجموعة لا تتجزأ من التراث العمراني جنباً إلى جنب مع التراث المعماري ووفقاً لآخر إحصائية حكومية عن تلك المباني التراثية، فإن عددها يبلغ نحو 6500 مبنى تنقسم لمبانٍ ذات طراز معماري فريد، أو تابعة لحقبة تاريخية معينة، أو كانت مسكناً خاصاً لإحدى الشخصيات المهمة والتاريخية أيضاً.

الخبر من المصدر