«تيتان اليونانية» وسنين الخصخصة | المصري اليوم

«تيتان اليونانية» وسنين الخصخصة | المصري اليوم

منذ 7 سنوات

«تيتان اليونانية» وسنين الخصخصة | المصري اليوم

يقول قانون مورفي للخدعة الإرادية أن «الأنظمة الجديدة ينتج عنها أخطاء جديدة» New systems generate new problems وهذا المنطق هو ما يعكس مشكلات تطبيق نظام الخصخصة في مصر، على الرغم من توقفه منذ سنوات إلا أن طبيعة مشكلاتها وأزماتها الجديدة والغريبة مازال يعاني منها الكثير من العمال، وأن توقف العمل بالقانون لم يعف البعض من تحمل ويلاته والكي بناره حتى الآن.\nفمنذ أيام اتصل احد العاملين السابقين بمصنع «تيتان اليونانية للأسمنت»- «بني سويف للأسمنت سابقا»- يطلب مني الوساطة لدي نقابة الصحفيين لعقد مؤتمر صحفي لحوالي 400 عامل وموظف من عمال المعاش المبكر بالمصنع بهدف الإعلان عن الحكم القضائي الذي حصلوا عليه بالعودة مرة أخرى للعمل والحصول على مستحقاتهم المالية.\nفي البداية تعجبت كثيرًا من الطلب، فالحصول على حكم قضائي نهائي لا يحتاج إلى إعلان عبر مؤتمرات صحفية أو حتى عبر إعلانات ورقية ولكن كل ما يحتاجه هو التنفيذ، وفقط التنفيذ والحصول على الحقوق من المدعي عليه في الدعوي القضائية المقامة وهي الشركة صاحبه النزاع، ولكن صاحب الاتصال فاجأني بالأزمة الحقيقية التي دفعتهم لهذا الطلب، فعلي الرغم من حصولهم على حكم قضائي يلزم الشركة اليونانية التي تحمل اسم «تيتان اليونانية» بعودتهم للعمل والحصول على رواتبهم ومكافآتهم عن كل سنوات الانقطاع السابقة، إلا أن الشركة لا ترغب في عودتهم ولا تسمح بتنفيذ الحكم بل وتمتنع عن صرف مستحقاتهم حتى الآن التي وصلت إلى 150 مليون جنيه نظير أحقيتهم في رواتبهم منذ الاستغناء عنهم.\nوترجع قصة هذه الشركة إلى عام 1999 حينما تم بيعها من قبل الحكومة ضمن صفقات الخصخصة وكانت وقتها تحمل اسم شركة «بني سويف للأسمنت» إلى شركة «لافارج الفرنسية» حيث استحوذت في البداية على 73.6% من أسهم الشركة في صفقة قيمتها 589 مليون جنيه، ثم أكملت الحكومة بيع بقية الأسهم في عام 2000 ووقتها بدأت الشركة الفرنسية سياسة تسريح العمالة مبكرًا فقامت بالاستغناء عن حوالي 100 عامل وإحالتهم للمعاش المبكر.\nثم تم بيع الصفقة مرة أخرى في غضون عام من «لافارج الفرنسية» إلى تيتان اليونانية، والتي أكملت سياستها في تسريح العمالة، فوصل عدد العمال المستغني عنهم نحو 400 عامل بدعوي إحالتهم إلى المعاش المبكر.\nومنذ عام 2000 والعاملون بدأوا في رفع دعاوي قضائية ضد الشركة بأحقيتهم للرجوع إلى العمل استنادا إلى رجوع عدد آخر من العمال في شركات أخرى طبق عليهم قانون الخصخصة مثل عمر أفندي وغيرها بعد إلزام المستثمر بذلك، وهذا قبل ردها للدولة من جديد.\nوأخذت القضايا دورتها المعروفة في المحاكم وسنوات ترفعها وسنوات تضعها إلى أن حصل العاملون على حكم نهائي وواجب النفاذ منذ شهور بأحقيتهم في العودة مرة أخرى إلى العمل، مع إلزام الشركة برد مستحقاتهم المالية من رواتب ومكافآت منذ تركهم العمل وحتى الآن.\nوذهب العمال يوم التنفيذ للشركة ولكن «يا فرحة ما تمت» امتنعت الشركة عن التنفيذ ...... نعم امتنعت ورفضت أن تعيد العمال ورد المستحقات، وتحججت برغبتها في إثبات أن الحاصلين على الحكم كانوا عاملين لديها في الأصل، ولأننا نعرف أن الشركة نفسها هي الجهة التي تملك سجلات العاملين فببساطة امتنعت عن التنفيذ.\nوالحقيقة أن نتائج مشكلات الخصخصة ليست جديدة في مصر، ولكن هذا النوع من المشكلات هو الجديد، فلا أحد يستطيع أن يجبر الشركة أن تبرز سجلاتها لتؤكد أن أسماء الحاصلين على الحكم مسجلون لديها وبالتالي فلا احد يستطيع أن يجبرها على التنفيذ.\nوللأسف فالشركة مباعة من صفقة على صفقة ومن مستثمر إلى مستثمر والحكومة لا حول لها ولا قوة في الأزمة، وحتى رئيس الوزراء أو الحكومة أو وزارة الاستثمار لا يستطيعون الضغط على المستثمر لعودتهم.\nوالخصخصة كنظام اقتصادي بدأ في مصر مع بدايات عام 1993 في عهد حكومة الدكتور عاطف صدقي رئيس الوزراء ووزير قطاع الأعمال آنذاك، وبدأت ببيع شركة الكوكاكولا إلى محمد نصير رجل الأعمال وبيع فندق شيراتون القاهرة عام 1993.\nوتوقفت عملية الخصخصة قبل ثورة 25 يناير في عام 2010 في عهد حكومة الدكتور أحمد نظيف وآخر شركة تم بيعها هي شركة عمر أفندي والتي أثارت هي الأخري حولها مشاكل كثيرة.\nوالمعروف أن برنامج الخصخصة في مصر أتى ضمن حزمة من الإجراءات التي التزمت بها مصر للوصول إلى اتفاق مع البنك الدولي والصندوق الدولي للتخلص من نصف ديونها الخارجية مطلع تسعينات القرن الماضي، كما أن مصر قامت بالتوقيع على اتفاقية عضوية لجنة الاستثمار بمنطقة التعاون الاقتصادى والتنمية التي تشترط على مصر إلغاء احتكار القطاع العام لبعض الأنشطة مثل الاتصالات وتوليد الكهرباء.\nوخلال فترة الخصخصة التي امتدت لأكثر من 17 عاما فقدت مصر خلالها كثيرا من ثرواتها وأصولها المملوكة لديها وتم بيع كافة أصول الدولة المصرية ولم يتبق منها سوى 136 شركة مازالت تابعة ومملوكة للدولة ولكن الأزمة الحقيقية والكبرى والتي خلفتها الخصخصة بل وجسدتها هي أزمة العاملين الذين تم تسريح عدد كبير منهم خلال فترات سابقة عن طريق إجبارهم على المعاش المبكر وترك العمل.\nوهو الأمر الذي دفع عددا كبيرا منهم إلى اللجوء للقضاء ومحاولة الرجوع مرة أخرى، وبالفعل صدرت أحكام كثيرة بهذا الشأن، ولكن تبقي الأزمة الحقيقية من يلزم الشركات، خاصة الأجنبية، لإعادة العمال مرة أخرى وتنفيذ حكم قضائي مصري، في حين يصرخ المستثمر الأجنبي إذا لم يحصل على حقوقه في أي نزاع داخلي مهددا باللجوء إلى التحكيم الدولي نتيجة لتضرر استثماراته من سياسات الدولة، في حين لا يجد العامل من يقف بجواره إذا تعسفت إدارة الشركة الأجنبية تجاهه، ويتهمه الجميع بأنه يرغب في ابتزازها بدعوي أن العامل المصري «مش بتاع شغل» ويريد ان يأخذ دون أن يعطي، فلمن يلجأ العامل المصري- بعد الله- للحصول على حقه من المستثمر الأجنبي إذا أخطأ.

الخبر من المصدر