شبرا... حكاية حي "كوزموبوليت" ليس كمثل الأحياء

شبرا... حكاية حي "كوزموبوليت" ليس كمثل الأحياء

منذ 7 سنوات

شبرا... حكاية حي "كوزموبوليت" ليس كمثل الأحياء

شبرا ليس حياً كبقية الأحياء المتعارف عليها في القاهرة. إنه "كوزمبليت" Cosmopolite يحوي مجموعات عرقية متباينة. أتى أصحابها في فترات زمنية مختلفة من الشاطئ الآخر للبحر المتوسط، ومن دلتا مصر وصعيدها، ليخلقوا عالماً جديداً، انصهرت فيه ثقافاتهم المتباينة، وتبلورت في هذا الحي العريق.\nفي كتابه "أحياء القاهرة المحروسة"، قال عباس الطرابيلي إن شبرا كانت في الأصل جزيرة وسط النيل، تسمى الفيل، وبفعل إطماء النيل، اتصلت بالأراضي المحيطة بها، لتصبح أرض شبرا وروض الفرج.\nكلمة شبرا ترجع إلى اللغة المصرية القديمة، وانتقلت إلى اللغة القبطية، وأصلها "جوبرو"، ومعناها الكوم أو التل. ثم حرفت إلى "شبرو"، ووردت في كتاب "أحسن التقاسيم" للمقدسي، وفي "نزهة المشتاق" للإدريسي باسم "شبره"، بحسب ما ذكر الطرابيلي.\nفي فترة زمنية قصيرة، مرت شبرا بتقلبات مذهلة، لم يحظ بها غيرها من أحياء القاهرة الكبرى. وروى حمدي أبو جليل في كتابه "القاهرة شوارع وحكايات"، أن الحي تحول فجأة من قرية صغيرة ومهملة وعشوائية، إلى رئة خضراء وحدائق للقاهرة الأوروبية، التي بناها الخديوي إسماعيل، ومنتجع ريفي متسع ومنعش لأمراء الأسرة المالكة، التي ما زالت شرفات قصورها تطل على شوارعه وحاراته حتى الآن. وإن كانت قد تخلت عن طابعها الملكي، وتحولت إلى مدارس ومنشآت حكومية، بعد ثورة يوليو 1952.\nسكنت الحي الجالية الشامية، بما فيها من تجار وحرفيين ومبشرين كاثوليك، بجوار الجاليات الأوروبية، التي كان معظم أفرادها من فقراء شرق ووسط أوروبا، الذين هاجروا إلى مصر بحثاً عن فرصة عمل. فكانت مصر بفضل مشروعات محمد علي، قبلة لراغبي العمل من كافة أنحاء أوروبا، وكان منهم عمال مهرة من الإيطاليين واليونانيين والقبارصة.\nحسن إسماعيل الباحث التاريخي، وأحد أبناء الحي، قال لرصيف22 إن أبناء الجاليات الأجنبية، كانوا يعملون في مهن معينة مثل البقالة ومحال بيع الخمور، والملاهي الليلية، وبعضهم كان يعمل "غرسونات" في المطاعم، أو سفرجية في القصور.\nمن بين الأجانب الذين سكنوا الحي، كان "آرتين"، الذي أسس مصنعاً لـ"الكازوزة" (مشروب مياه غازية)، بأنواعها المختلفة، مثل سباتس وزوتس، ولاقت رواجاً كبيراً بين المصريين لعقود طويلة.\nماجد الراهب، رئيس جمعية المحافظة على التراث المصري، التي تتخذ من شبرا مقراً لها، فسر لرصيف22 الكثافة السكانية العالية للمسيحيين بالحي. وأوضح أنه عندما قرر محمد علي، تعمير المنطقة بعد بنائه لقصره، هداه تفكيره إلى شق ترام فى شارع شبرا، الذي كان بمثابة منطقة مهجورة تحيط بها الحقول. واستعان في ذلك بشركات أجنبية استقدمت عمالة مسيحية من صعيد مصر، وبعد الانتهاء من شق الترام رفضت هذه العمالة العودة واستوطنت في الحي.\nكل شبر في شبرا يحمل تاريخاً معيناً. أوضح أبو جليل أن شارع فيكتوريا الذي يقع في قلب شبرا، يعود اسمه إلى ملكة إنجلترا، التي جاءت إلى مصر وأصرت على زيارة الحي، للاطمئنان على أحوال الجالية الأوروبية التي كانت تستوطنه.\nشارع أحمد حلمي سمي على اسم الصحافي الشهير والشخصية الثانية في صحيفة "اللواء"، بعد الزعيم الراحل مصطفى كامل، وهو مؤسس جريدة "القطر المصري"، وأول من اتُهم بالعيب في الذات الملكية، وهو جد الشاعر الأشهر صلاح جاهين.\nشارك غردشبرا حيث ولدت داليدا، وعاش البابا شنودة... حي شهد تنوعاً فريداً من نوعه في القاهرة\nشارك غردشبرا ليس حياً كبقية الأحياء المتعارف عليها في القاهرة...\nإطلاق اسمه على الشارع، أرجعه أبو جليل إلى سببين، أحدهما سياسي يتعلق بتاريخه الوطني الحافل، والثاني أسري وجغرافي، فكانت أسرته من أهم عائلات شبرا، وكانت تمتلك قصراً بالشارع بالقرب منه، كان قصر الزعيم محمد فريد الذي كان من أشهر سكان الحي.\nكان الحي أيضاً معقلاً لأهم معسكرات الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية، وكانت مهمتها حماية مداخل القاهرة. ورحلت القوات الإنجليزية نهائياً عن الحي والقاهرة كلها، واستوطنت قناة السويس، بعد معاهدة 1936، قال أبو جليل.\nفي المنزل رقم 11 في شارع خمارويه، المتفرع من شارع شبرا، ولدت يولاند كريستينا جيجليوتي في 17 يناير عام 1933، التي لقبت بعد ذلك بداليدا، من أبوين إيطاليي الأصل مولودين في مصر.\nوذكر الدكتور محمد عفيفي في كتابه "شبرا... إسكندرية صغيرة في القاهرة"، أن ولادة داليدا في هذا المنزل لم تكن مصادفة، بل تعبيراً عن الوجود الإيطالي في هذا الحي.\nيقع المنزل على بعد مئة متر من كنيسة سانت تريزا الكاثوليكية، التي كانت من أهم الكنائس المفضلة للجالية الإيطالية في القاهرة، ويبعد نحو 200 متر من المدرسة الإيطالية الشهيرة، التي تحولت أثناء الحرب العالمية الثانية إلى مدرسة فيكتوريا.\nوفي تلك الأثناء، أي نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين، كان الشباب الإيطالي "الفاشيست"، يقوم باستعراضات على طول شارع شبرا، وكأنه أحد شوارع روما، تعبيراً عن ولائه لموسوليني آنذاك.\nفازت داليدا بلقب ملكة جمال مصر عام 1954، ولم يقل أحد يومها إنها غير مصرية، وفي العام نفسه شاركت في فيلم "سيجارة وكاس"، وبعده رحلت إلى فرنسا لتنطلق إلى العالمية.\nعرفت شبرا مبكراً فن السينما على أيدي الأجانب، تحديداً عام 1910، عبر ما يسمى بـ"غران سينماتوغراف". وعام 1915، عرف الأهالي سينماتوغراف شانتكلير لأول مرة. العقار 104 شارع ساحل سليم في منطقة روض الفرج، كان شاهداً عام 1937، على إنشاء استوديو سينمائي كبير، شيده المخرج كوستانوف. في هذا الاستوديو تم تصوير فيلم جحا وأبو نواس في القرن العشرين، كما روى عفيفي.\nوذكر عفيفي أن حي شبرا أنجب كثيراً من رواد الفن السينمائي في مصر، مثل المخرج هنري بركات، الذي ينتمي إلى أسرة شامية، هاجرت إلى مصر عام 1860، إبان الحوادث الطائفية التي شهدتها بلاد الشام بين أتباع المذاهب والديانات المختلفة، التي على أثرها هاجر الكثيرون من الشوام إلى مصر.\nأخرج بركات عدداً من كلاسيكيات السينما المصرية، مثل دعاء الكروان وفي بيتنا رجل، والباب المفتوح. وشاركت أفلامه في مهرجانات عالمية وحصلت على جوائز عديدة.\nوعلى مسارح روض الفرج، قام علي الكسار وفرقته التمثيلية على مسرح روض الفرج، ومن الحي نفسه خرجت أمينة رزق وحسين رياض وفاخر فاخر، وبعد ذلك نبيلة عبيد وسعاد نصر.\nعلاقة شبرا بالسينما ظهرت بوضوح في انتشار عدد كبير من دور العرض في شوارعها، مثل سينما شبرا بالاس، والأمير، وبلازا، حيث الحفلات الصباحية. وسينما روي، التي كانت تعرض الأفلام الأجنبية، وفريال، والنزهة.\nأثناء سيرك في شارع شبرا الرئيسي، سيستوقفك المنزل رقم 56، الذي شهد تشكيل تنظيم شبابي سري، في الفترة التي صاحبت الحرب العالمية الثانية، عبر مجموعة من الشباب، أطلقت على نفسها جبهة الأحرار الديمقراطيين، واتخذت من هذا المنزل مقراً لاجتماعاتها.\nكانت تهدف إلى تغيير الأوضاع السيئة التي كانت تشهدها مصر في ذلك الوقت، وتحريرها من المغتصبين المصريين والأجانب، روى عفيفي.\nوأوضح أن الجبهة ضمت طلاباً من مختلف التوجهات الفكرية، وبعض صغار التجار، والعمال من ذوي الاهتمامات النقابية، وعقدت حوارات مع الماركسيين والإخوان المسلمين، وتواصلت مع بعض المجموعات الوطنية في الجيش المصري، مثل مجموعة الضابط عبد القادر طه، وهو من شبرا أيضاً. كان متأثراً بالفريق عزيز باشا المصري، وأصبح بعد ذلك أحد رموز الضباط الأحرار في ثورة يوليو 1952.\nخرجت من مدارس شبرا صفوة أهل الفكر والفن في مصر، وربما يرجع ذلك إلى طبيعة أبناء المهاجرين الجدد إلى المدينة آنذاك، وإحساسهم بأهمية التعليم، كوسيلة للترقي الاجتماعي، والاستقرار في المدينة، وعدم العودة إلى الريف من جديد.\nكانت ولا تزال أكبر وأهم مدرسة في شبرا. ذكر عفيفي أن تاريخها يعود إلى عام 1858، عندما أنشأ سعيد باشا حاكم مصر قصراً جديداً له في الحي، سمي "قصر النزهة". ثم آل إلى الخديوي إسماعيل، الذي استعمله كدار للضيافة الخديوية. وعندما تولى الخديوي توفيق الحكم أمر بنقل مدرسة المعلمين، من درب الجنينة إلى قصر، الذي تحول في ما بعد إلى مدرسة ثانوية، أطلق عليها اسم الخديوي توفيق.\nكانت التوفيقية شرارة لانطلاق تظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإنجليزي، لا سيما أثناء انتفاضة عام 1935، ومطالبة الشباب بعودة دستور 1923، الذي ألغاه إسماعيل باشا عام 1930. فخرج الطلاب في الشوارع، يهتفون "يسقط هور ابن التور"، في إشارة إلى صمويل هور، وزير الخارجية البريطاني، الذي أدلى بتصريح قال فيه إن دستور 1923 يجب ألا يعود، بحسب ما قال عفيفي.\nتخرج من هذه المدرسة عدد من نوابغ الفكر والطب في ذلك الوقت، منهم الطبيب الشهير الدكتور نجيب محفوظ، الذي تسمى أديب نوبل نجيب محفوظ على اسمه تيمناً به، لأنه هو الذي تمت على يديه ولادة الأديب الشهير، فأطلق أبوه عليه اسماً مركباً تقديراً للطبيب النابغ.\nهي المدرسة الثانية في الأهمية في شبرا. اشتهر طلابها بالانخراط في العمل السياسي، وانتهاج العنف عند قيام التظاهرات.\nكان من بين طلاب المدرسة عدد من اليهود، أحدهم يدعى شالوم داوود يوسف، الذي كتب في مجلة المدرسة طرفة عن أحد قضاة محاكم الأخطاط (محاكم كانت تُنشأ للبت في الخلافات العقارية وبعض الخلافات حول قضايا الملكية)، وكيف كان يحرك عمامته إلى ظاهر رأسه، إذا أراد الحكم بالبراءة، دون أن يتهمه شالوم بالتجرؤ على مقام قاضي شرعي وهو الطالب اليهودي، روى عفيفي.\nوكان من طلاب هذه المدرسة الروائي والسياسي الشهير يوسف السباعي، الذي نشر في مجلة المدرسة أول قصة كتبها في حياته، وهناك أيضاً القانوني الراحل يحيى الجمل، والمؤرخ الراحل رؤوف عباس.\nفي نهاية فيلم "بين القصرين"، يعرض المخرج بعض المشاهد عن ثورة 1919، من بينها مشهد قس يعتلي منبر مسجد الأزهر خطيباً ورمزاً للوحدة الوطنية.\nقال الراهب إن هذا القس هو سرجيوس، الذي ولد في الصعيد، وعاش في شارع البعثة في شبرا، وخدم في كنيسة الملاك طوسون وناهض الاحتلال الإنجليزي، وخطب أثناء الثورة من منبر الأزهر.\nثورية سرجيوس لم تكن سياسية فقط، فصدمت آراؤه الكنسية المستنيرة، مع عدد من الأساقفة في ذلك الوقت، كما ذكر الراهب.\nفي الأربعينيات من القرن الماضي، عاش نظير جيد روفائيل شبابه في منطقة مسرة بشبرا. قال عفيفي إن روفائيل كان كثير القراءة، وواسع الاطلاع، ما أهله للانتماء لذلك الجيل الأول من الرهبان الجامعيين من أصحاب التخصصات العلمية المختلفة، وبعدها قاد الكنيسة المصرية على مدى 41 عاماً، تحت اسم البابا شنودة.\nإبراهيم تكلا أحد المشاهير الذين عاشوا في الحي. قال الراهب إن تكلا كان من بين الأنصار البارزين في حزب الوفد، الذين لعبوا دوراً مهماً في الحياة السياسية آنذاك. وكان من أوائل مَن درسوا في جامعة كمبريدج مع محمود فهمي النقراشي، ودخل مجلس النواب عن دائرة شبرا، وهو أول مدير لمدرسة التوفيقية، التي تخرج منها أشخاص أصبحوا وزراء في ما بعد.

الخبر من المصدر