حكايات أولياء مصريين كتبت من أجلهم أغانٍ تخلدهم

حكايات أولياء مصريين كتبت من أجلهم أغانٍ تخلدهم

منذ 7 سنوات

حكايات أولياء مصريين كتبت من أجلهم أغانٍ تخلدهم

تختصر الأغنية الشعبية الأزمنة والأمكنة، وتنقل الأحداث عبر الأجيال المتعاقبة. هكذا الحال في حكايات الأولياء، التي تجافي العقل والمنطق، ورغم ذلك يتناقلها العامة والمريدون، عبر أغانٍ صنعوها حباً فيهم، وتخليداً لذكراهم وأساطيرهم.\nفي كتابه "تحت القبة شيخ"، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يستعرض الدكتور إبراهيم عبد العليم حنفي، حكايات 8 أولياء بمدينة الفيوم، من خلال عدد من الأغاني الشعبية التي يرددها زوار مقاماتهم.\nكانت مريم فتاة جميلة، عُرفت بصفاء النفس ومحبة الناس، تحب مجالسة الصوفية، حتى أصبحت مريدة ثم شيخة لطريقة صوفية.\nيا بنت يا مدلعة      يا بنت يا مشخلعة\nبحبك يا حلوة      عجبي ما دام قلب قلبي محب\nكانت النساء يجلسن حولها في حلقات الذكر الصوفي، ويطلبن منها أن تمسح بيديها على رؤوسهن، لينجبن ذكوراً، أو منهن من يردن الشفاء من العقم، فتدعو لهن وتستجاب دعوتها.\nويُحكى أن سيدة زارت مقامها في الفيوم، وطلبت في دعوتها أن تستجيب الشيخة مريم لطلبها في الإنجاب، وما إن نامت السيدة حتى رأت الشيخة في ثياب بيضاء، تمسك سكيناً، وبيدها تفاحة، شقتها نصفين وأخذت نصفاً، وتركت الآخر للسيدة، وبشرتها بانقطاع الدورة الشهرية منها إيذاناً بالحمل والإنجاب، فأنجبت المرأة. وبعد ذلك تكرر الحلم لأكثر من سيدة.\nيا طاهرة يللي شقيتي التفاحة       تعالي وشقيها\nوفك العقدة وفك الربطة              واخلفي عليّ بالولد أو بالبت\nوتطلع بنت جميلة                     وحياة سيدنا هاتي البركة\nوقد لعب اسم مريم دوراً في اعتقاد المجتمع بها، فنسبها المسيحيون إليهم، واعتقد بعض المسلمين أنها شيخة مسلمة صوفية، وبمرور الزمن اعتبرها العامة قديسة. يزور مقامها المسيحيون والمسلمون يوم مولدها، يوم شم النسيم، موعد خصوبة الأرض الزراعية. يؤدون الطقوس، ويصنعون الخبز، ويوزعونه مرددين هذه الأغنية:\nزرعنا القمح وقلعنا الزرع       وانت البيضاوية\nاحنا وانت ع الزراعية       يا مريم بنت الأكابر\nوالله لاخبز لك عيش فاخر        وانت البيضاوية\nيا ام الشال اخضر وحرير         ه ه ه هاي\nلاعملك حمام وفطير         طيري يا شايلة الفلاحة\nزرعنا القمح وقلعنا الزرع       وانت البيضاوية\nيقع مقامه في منطقة منشأة الفيوم، وهو ولي قضاء الحاجة. ارتبطت حكاياته بالخصوبة والنماء. ويحكى أنه كان شاباً قوي البنيان، عاش منعزلاً عن الناس في مكان مقامه الآن، معتزلاً النساء. يؤمن مريدوه بأنه كان يهذي بكلام يتوقع حدوثه في المستقبل، وإذا دعا لمريض بالشفاء تستجاب دعوته، وإذا مر بامرأة عاقر وضحك لها، قد يرزقها الله مولوداً. ثم جاء لقبه "أبو خلف" من هذه الكرامات التي يسميها العامة أحياناً الخلف.\nشارك غردحكايات أولياء تجافي العقل والمنطق، ورغم ذلك يتناقلها العامة والمريدون عبر أغانٍ صنعوها حباً فيهم\nشارك غرد"يا بنت يا مدلعة... يا بنت يا مشخلعة" مطلع أغنية لولية صالحة اعتبرها المسلمون شيخة صوفية، واعتبرها المسيحيون قديسة\nاسم "أبو قرعة" جاء من إسرافه الشديد وعدم مبالاته بما ينفق ويأكل. فيوصف المبذر عادةً بـ"قرعة" أو "أبو قرعة"، أو ربما لأنه كان يشرب الماء في نصف ثمرة القرع.\nيا أولياء الله الصالحين     أمانة عليكم أنتم رايحين فين\nفيه رجال منكم بيطيروا    ورجال لسا قاعدين\nوناس بتمشي شمال     وأبطال بتمشي يمين\nالقضب (القطب الصوفي) قاعد وبعد شوية     مش عارف رايح فين\nقلت يا رب نولني واخلف     على بالعقل الرزين\nالقضب قالي الحب في القلب     مش في العقل يا حزين\nقولي يا عم أبو خلف     تنصحنا أصلنا نايمين\nقالي يا مريدي الأولياء     كرامات ولا تسأل وتكون من النادمين\nكان جاد الحق قوي البدن، تقياً عُرف بصلاحه، وقدرته على التحدث بلسان بليغ. كان لا يخشى فى الحق لومة لائم، فاتصف بالعدل، لذا جاء لقبه حاملاً قدرته على إظهار الحقيقة التي تغيب عن المجتمع.\nرأى أباه يستل سكيناً وينقض على جاره ويقتله، ثم يهرب سريعاً إلى داره. وبرغم أن لا شهود على الحادثة، جمع أهل المنطقة صباحاً، وقص عليهم ما شاهده، وذهب إلى القضاة، وقص عليهم ما رآه، والناس وراءه يهتفون "جاء الحق يا جاد الحق".\nبكتب كلام بالقلم لما القلم اشتكى\nبكتب حقائق الناس القلم سابني واترمى\nشهد القلم على صاحبه بالحقيقة وبكى\nقلم الحقايق ظهر وقلم الظالم اختفى\nفهم علم النبي إن الحقيقة لازم تنحكى\nشهد جاد الحق على أبوه وفي السجن اترمى\nوقاله ليه يا بويا تقتل ما دام الحق ظاهر\nقاله يا قلم غلطت وكنت قاتل ماهر\nرد عليه السلطان إن ربنا قادر\nكانت هذه القصة سبباً فى توجه أصحاب المظالم والمظلومين إلى مقامه، غرب مدينة الفيوم، يطالبونه بإظهار الحقيقة. وهذا يظهر في الأغنية التي يرددونها عند كنس المقام. فيقوم المتضرر من السرقة أو السحر بهذا الطقس، اعتقاداً منه بأن التراب المتطاير سيدخل فى عيون الظالمين له، والظالم سيسرع لرد ما أخذه أو يعترف به.\nياللي جبت الحق في يوم\nيسود الاعتقاد في قرية "فيدمين"، شمال غرب الفيوم، حيث يقع مقامه، بأن الولي يتفقد القرية ليلاً فيمنع الظلم، ويعاقب الباغين. ويجري يميناً ويساراً، ممتطياً جواده، ليحمي المنطقة من أي سوء، لذلك أطلقوا عليه اسم "أبو الحارس".\nكان "أبو الحارس" فارساً محارباً، أبلى بلاءً حسناً في الحروب، حتى أنه في إحداها فقد ثلاثة أرباع جسده، ولم يعرف بالضبط اسم هذه الحروب. أما الربع المتبقي من جسده، فطار به قاطعاً الفيافي والصحراوات، حتى نزل به إلى القرية، وعندئذ راح يطوف بالبلدة والناس وراءه يهتفون ويهللون في فرح.\nواختلف المسلمون والمسيحيون على نسبه، فاعتبره المجتمع شيخاً مرة، وقديساً مسيحياً مرة أخرى. ويزور مقامه المسلمون والمسيحيون، ويؤدون طقوساً مرتبطة بقصة طوافه بالبلدة، فيركبون الجياد ويتسابقون ويفرون في سباق يسمى "المرماح".\nوهناك أغنية يرددها زائرو مقامه وتروي حكايت:\nفضل سيدي أبو الحارس ينط\nوكان بفرسه بس رجله جات\nعيني على اللي انكوى بربع الجسد\nرجع الواد لأمه في ساعتين\nواللي يطلب منه ينزل سعادتين\nيعتقد الناس أن هذا الولي يسيطر على الجان ويعذبه ويطرده، واسمه الشيخ محمد. لكن المجتمع لقبه بـ"حابس الوحش" مستنداً إلى حكاياته، التي تظهر قوته وسيطرته على الجان، خصوصاً ذلك الجني الذي كان يهدد أمن المنطقة التي كان فيها "درب الطباخين". فكان أهلها كلما زرعوا محصولاً ونضج وحان وقت حصاده، وجدوه محترقاً تشتعل فيه النيران، فهبوا إلى الولي يستغيثون به ويطلبون عونه، وجاءت كرامته التي تظهر قدرته. إذ قيّد الجني وأنزل جام غضبه بربطه ثم رميه ثلاث مرات من أعلى الربوة، وأخذ يفقأ عينه ليتدحرج، وبذلك نما الزرع، وظلت المنطقة آمنة هادئة. وشاع بين أهالي المنطقة إقامة حلقات الذكر عند مقامه، ليحضر الجان، ويسيطر الولي عليه ويعذبه، معتقدين أنه يخشى دائماً ذكر اسم الولي.\nيا للي رميت الوحش الكاسر\nاللي جالك وداس في الخرم بتاعك\nبركة الشيخ رجب، عبارة عن بئر يقترب قطرها من المترين، وتوجد جوار المقابر، شمال منطقة الطباخية. ويعتقد العامة أن ماءها يشفي الأمراض التي تصيب الإنسان، سواء كانت جسدية أو عصبية، كما يعتقد أن مائها يهلك الجان في الأجساد.\nويحكي مريدو الشيخ رجب أنه غاب ثلاثة أيام عن الأنظار، وإذا بالفلاحين يبحثون عنه لأمر جلل حدث له، وهو أن مياه الري قد نضبت والأرض جفت. وعندما وجدوه توسلوا له أن يدعو لهم بالنماء، فتبسم ضاحكاً ووضع يده على الأرض، وتمتم بكلمات، وقام بحركات وهاج وماج، فإذا بالأرض قد انفجرت وانشقت بعين ماء متدفق.\nمنذ ذلك الحين، أصبح العامة يستحمون بهذه المياه للشفاء من الأمراض. وكل من أصابه مس من الجن، يذهب إلى البئر، خصوصاً أن هناك من يعتقد أن الشيخ رجب يسكن فيها.\nاشفي بحق سيدي الشيخ رجب\nوطلع اللي جوايا بره واكفيه يا مية شره\nورطبي جسمي يا مية يا جارية\nواللي عايش جو منك تطلعه وتشفيك\nيمثل الولى علي الروبي للمجتمع الفيومي البطولة والخلاص والعدل. وله مقام يقع في حي علي الروبي، ومن حكاياته أنه استطاع أن يمنع البلاء عن المنطقة في الحرب العالمية الثانية عام 1945، عندما ألقيت قنبلة على مدينة الفيوم، فاستطاع أن يحول مسارها من قلب المدينة إلى قلب ترعة.\nويُروى أن الروبي قيّد اللصوص، الذين اعتادوا سرقة الماشية من منطقة الطباخين.\nيا حامي أنا منك محب\nأنا قصدت بابك يا بطل مدحت بقلب\nسيدي لما يحضر يكون المريد طب\nوهناك حكاية أخرى ترتبط بسيدة فقدت طفلها، الذي لم يتجاوز عمره ثلاث سنوات، وظلت تبحث عنه لمدة عام أو أكثر، فزارت الولي وراحت تكرر الزيارات كل عام في ذكرى مولده السنوي وتتوسل إليه، وإذا هي شاخصة ببصرها أعلى المقام فتجد ابنها يمد يديه إليها فتأخذه بشوق ولهفة.\nوربما كانت هذه القصة سبباً في طقس يمارسه العامة، وهو ثقب الأذن اليمنى للطفل الذكر، حتى يحول عيون الحاسدين إلى القرط الذهبي المعلق فيه، ليكون فداءً من قوى الحسد. وعند أداء هذا الطقس تطلب الأم من الولي حماية ابنها عبر هذه الأغنية:\nبركة الروبي تعميها كده على طول\nعُرف الولي أبو الحمل بقدرته على التحمل والصبر على المشقة والجوع، وحمل هموم مجتمعه. لذا كان العامة يترددون عليه للشكوى من المظالم والهموم، فيزيلها عن كاهلهم.\nوقد عاش "أبو الحمل" في فترة حكم المماليك، وشهد بطشهم في إقليم الفيوم، وكان يدعو عليهم فتزلزل قصورهم تحت أقدامهم. وعندما استمر المماليك في طغيانهم، هب إليه مجتمعه يطلب نجدته، فأخذ يرفع التراب عالياً، ويتمتم بكلمات، ثم غرق بعدها في صمت. وما هي إلا برهة من الوقت، حتى سمع قصوراً تتصدع وجنوداً يصرخون من الإعياء، ويتخبطون يميناً ويساراً، ولم يستطيعوا تحمل ما بهم فقرروا الرحيل عن المنطقة، بحسب الرواية المتداولة.\nوالهم زادني ويقول اه اه ياني\nوقفت على المقام اللي جاني جاني\nعلى باب سيدي حمال الهموم الشوق رماني\nسندت ظهرى اللي انكسر من الشيل\nزيح الهم والغم ده عمره طويل\nاللي مع أبو الحمل، عمر حمله ما يميل\nويتردد الناس على مقام أبو الحمل، في منطقة الطباخين، يطلبون منه أن يساعدهم في حمل همومهم، وأن يبعد كل ما هو ضار عنهم وهم ينشدون:\nعلى باب أبو الحمل       تركت حملي وحالي\nحضرني البطل      وكان الكشف مجاني\nأنا قلت أمانة يا بطل      توصف دوا لحالي\nرجع علي بالشَربة      لقيت الحمل في ثواني

الخبر من المصدر