المحتوى الرئيسى

مئوية ميلاد الفنان كامل التلمساني

02/17 04:12

«يقال ان النسيان نعمه.. وهو نقمه.. وانا احب قطعه النقود الفضيه الحامله لصوره فاروق ولا انساها.. واحب ان تاتي لي كثيرًا في حسابي عندما اشتري شيئا.. انها تذكرني دوما بصوره الملكيه وصوره الاستعمار، واحتفظ بقطعه النقود التذكاريه للجلاء.. ولتاميم القناه.. صور الجمهوريه والتحرير، احتفظ بها لاولادي -فقد اُرزق يوما اولادا- والا فسيكون كل ما اتركه لورثتي.. بعد عمر طويل، وها انت تري اني اترك لهم ثروه ضخمه علي كل حال.. امل الا اضطر الي التصرف فيها يوما».

هذه الكلمات جاءت كمقدمه لفصل الخاتمه وبعد ، لكتاب سفير امريكا بالألوان الطبيعية ، وهو بالطبع عندما يتحدث عن الثروه التي سيتركها لورثته، يضمر هذا الكتاب الذي نشرته دار الفكر ، وظهر للناس عام 1957، وصمم غلافه الفنان حسن فؤاد، وانجز الرسومات الداخليه الفنان جورج البهجوري، وقدمه ابراهيم عبد الحليم اليساري الشيوعي، متحمسًا له بشده وكذلك كان متحمسًا للتغيرات السياسيه التي احدثتها ثوره يوليو عام 1952، متسائلا: اي تغير حدث في مصر؟ ، ثم مجيبا ومستطردا: كل شيء لم يعد كما كان منذ سنين قليله.. كل شيء يتغير ويسير الي الامام، والناس يولدون من جديد، والاشياء التي ظلت تبرق وتفرض سيطرتها خلال العمر الذي عشناه زال بريقها وانكشف زيف لمعانها وانتهي جبروتها كما حطم المؤمنون الاصنام.. اسم مصر اصبح اليوم يقترن باسم رجل شريف وبسيط وشجاع من ابنائها.. جمال عبد الناصر.. واصبح يقترن بكرامه وامال الناس البسطاء في كل مكان في العالم ، كان هذا الكلام يقوله الشيوعيون قبل ان يستقر معظمهم في معتقلات يوليو بعامين فقط، فـ كل شيء جميل في شعبنا وفي ارضنا وفي تراثنا وثقافتنا يجد اليوم طريقه ليظهر ويتفتح ويعلن وجوده ويفرض ارادته ، ويا لدروس التاريخ التي لا تنتهي، ولكن النسيان نقمه كما قال التلمساني، الذي قال عنه عبد الحليم في مقدمته: وفي هذه الفتره -فتره السنين الخمس الماضيه- ولد كامل التلمساني من جديد كما ولدنا جميعا.. لقد رفعت عن عينيه الغشاوه كما رفعت عن عيوننا جميعا، وعاد الفنان الذي اخرج فيلم (السوق السوداء) سنه 1945 ليكتب سنه 1957 (سفير امريكا بالالوان الطبيعيه)، وليربط انتاجه باحتياجات شعبه وقد اصبح الطريق امامه اكثر وضوحا . وكذلك يهدي التلمساني كتابه الي جمال عبد الناصر: المفكر الذي كتب فلسفه الثوره الذي قراته مرارا ومرارا .

وبعيدا عن هذه الطموحات السياسيه التي جاءت باقلام التلمساني وعبد الحليم، والتي كانت تنتشر لمعظم اليساريين في ذلك الوقت المعروف بشهر العسل المؤقت بين اليسار وسلطه يوليو، كان الكتاب غايه في الجمال، وعمق التحليل، ووضع افلام هووليود الامريكيه في رؤيه واضحه، متحديا اي محاوله لهلوَده الافلام المصريه والعربيه.

ولكن كامل التلمساني الذي قال عنه عبد الحليم انه ولد من جديد، ورفعت عن عينيه الغشاوه، لم يكن هكذا بالفعل، ولكنه الحماس والانفعال بالمرحله -وهذا يحدث دوما علي مدي التاريخ- هما اللذان يدفعان الناس الي الكلام الساكت احيانا بطريقه، والمتكلم والمشير الي علاقات وتربيطات وخطط وانواع من المشاركات الوهميه وخزعبلات في احيان اخري، لم يكن علي عيني التلمساني المولود في قريه نوي بمحافظه القليوبيه في 15 مايو 1915 اي غشاوه من اي نوع، منذ ان ترك دراسته في كليه الطب البيطري، واتجه الي فن الرسم والتصوير، وراح يكتب مقالاته عام 1936 في مجله مجلتي لصاحبها احمد الصاوي محمد، ورسم اول ديوان للشاعر جورج حنين عام 1938، ثم اسس مع رفاقه السيرياليين العظام جورج حنين وانور كامل وفؤاد كامل ورمسيس يونان وغيرهم من جماعه الفن والحريه، واصدروا بيانا تحت عنوان يحيا الفن المنحط في 22 ديسمبر 1938، ووقّع علي هذا البيان اربعون فنانا من جنسيات مختلفه، في مواجهه الهجمه الهتلريه علي الفنون، ووصفها بانها فنون منحطه ورديئه، وشاعت معارضه هذا البيان في جميع انحاء العالم، وغير ذلك شارك مع رفاقه في اصدار مجله التطور التي لعبت دورا مهمّا في تطوير طريقه النظر الي الفن.

ولكن التلمساني الذي استغرقته عمليه الرسم والفن التشكيلي، كان قد وقع في تناقض ما، وسعي لكي يفك شفره هذا التناقض، الذي يكمن في شعوره الطاغي بالاحساس بالناس، وقضاياهم، ومحاوله التواصل معهم، ولكن الفن التشكيلي لا تستفيد منه سوي فئه او طبقه محدوده، هذه الطبقه هي الاغنياء الذين لا يسعي لمخاطبتهم، فكفّ قليلا عن ممارسه هذا الفن، وبعد ذلك قرر التحول الي السينما، واخرج فيلمه الاول السوق السوداء ، الذي صنفه النقاد علي انه من اوائل الافلام الواقعيه في مصر، وراح كامل التلمساني يخطو خطوات حاسمه في السينما المصريه، وكتب كتابين ذوَي اهميه بالغه، وهما الكتاب الذي نوهنا به سلفا وهو امريكا بالالوان الطبيعيه ، ثم كتاب عزيزي شارلي شابلن، وبقدر ما كان كتاب شارلي شابلن يفصح عن وجوه غائبه عن هذا الفنان العظيم، فانه كان يكشف عن شغف التلمساني نفسه بعالم السينما منذ طفولته.

ولم يكتفِ التلمساني بانتاج هذين الكتابين، بل له مقالات كثيره شائقه وجذّابه وعميقه في السينما وفي الفنون عموما، وفي عام 1958 بدا يكتب سلسله مقالات وبورتريهات مطوله عن فنانين مصريين، مثل فاتن حمامه واسماعيل يس وتحيه كاريوكا وغيرهم، وفي 17 فبراير 1958 كتب مقالا بديعا عن محمود المليجي، يفصح فيه عن ازمه هذا الفنان العظيم مع ادوار الشر التي كان يقوم بها في السينما المصريه.

أهم أخبار مقالات

Comments

عاجل