طه حسين: الفتنة الكبرى أسست ملكاً عنيفاً يقوم على السياسة والمنفعة !

طه حسين: الفتنة الكبرى أسست ملكاً عنيفاً يقوم على السياسة والمنفعة !

منذ ما يقرب من 10 سنوات

طه حسين: الفتنة الكبرى أسست ملكاً عنيفاً يقوم على السياسة والمنفعة !

الاضطرابات بدات منذ تولي عليّ للخلافه واشتعال الحروب\nعصر يشهد بزوغ فرق “الشيعه” و”الخوارج”\n”يزيد” عاث في الارض فساداً وانتهك حرمات ال بيت النبي\nيتناول الجزء الثان من كتاب د.طة حسين “الفتنه الكبري: علي وبنوه”، الاحداث التي وقعت بعد مقتل عثمان بن عفان وخلافه علي بن ابي طالب، الذي تولي الخلافه في ظروف استثنائيه؛ حيث كانت الفتنه تعصف ببلاد الاسلام، وقد سال علي ارضها دم خليفتها.\nوكان امام عليٍّ بعد توليه الخلافه كما يبين المؤلف الكثير من المهام الجسام التي لا تحتمل التاجيل، ومن اخطرها القصاص من قتله “عثمان”، غير ان الامام عليًّا كان يري ضروره الانتظار ريثما يُحكم سيطرته علي الدوله، اما “معاويه بن ابي سفيان” ومن شايعه فارادوا القصاص السريع. وذلك كان راس الفتنه التي راح ضحيتها خيره المسلمين، وتحوَّل بها نظام الحكم من الشوري الي الوراثه، وظهر الشيعه ” انصار علي بن ابي طالب”، والخوارج “معارضوه” كاحزاب سياسيه، قبل ان تتخذ مسحه اجتماعيه ودينيه، لكن النتيجه الاكثر ايلامًا هي ان كثيرًا من النكبات التي تعصف اليوم بالمسلمين تَعُود جذورها الي تلك الفتنه التي ما زالت جذوتها مُتَّقده حتي اليوم، كما يشير طه حسين في كتابه.\nيوضح الكتاب ان المدينه ظلت اياما بعد مقتل عثمان، وليس للناس فيها خليفه وانما يدير امورهم فيها الثوار. وكانت اهواء الثوار فيمن يكون الخليفه مختلفه: فاهل مصر مع علي، واهل الكوفه مع الزبير، واهل البصره مع طلحه . الا ان المهاجرين و الانصار قد مالوا الي عليّ فاصبح علي هو الخليفه الرابع .\nوكان اول ما واجهه علي بن ابي طالب من الناس قضيه القصاص من قتله عثمان . و لكنه طلب ان يمهل ريثما يثبت اركان حكمه . فخلق هذا الامر معارضه قويه له ولما يبدا حكمه بعد. ثم انه اراد ان يسوس الناس بسيره عمر “شده في غير عنف و لين في غير ضعف”، وهو الامر الذي لم يحتمله كثير من الناس خصوصا بعدما الفوه من لين عثمان و دفعه اليهم بالعطايا والمنح من بيت مال المسلمين.\nمن ناحيه ثالثه فقد بدا في تنحيه الولاه الذين طالما شكا منهم الناس في الكوفه والبصره ومصر، وهذا جعله مبغوضا ممن كانوا يستفيدون من الوضع السياسي القديم . الا ان راس البلاء قد جاءه من الشام والتي كان عليها معاويه بن ابي سفيان .\nفقد رفض معاويه اعطاء البيعه للخليفه الجديد واعلن العداء له، فمعاويه واهل الشام يريدون ان يثاروا لعثمان ونصبوا قميصه للناس وجعلوا يلتفون حوله ويبكون . و حينئذ علم عليّ انها الحرب وقرر ان يخرج بجيشه للقضاء علي تلك الفتنه .\nواثناء تجهيزه لجيشه جاءته الانباء غير الساره من مكه حيث تجمع عمآل عثمان المبعدون وتجمع الساخطون علي مقتل عثمان وتجمع الزبير وطلحه و عائشه زوجه رسول الله وجعلوا من مكه معقل المعارضه الاكبر؛ لدرجه انهم رفضوا تعيين الوالي خالد بن العاص بن المغيره الذي عينه الخليفه عليّ علي مكه .\nوتشاورت المعارضه المكيه وقررت الرحيل الي البصره لمحاربه علي بن ابي طالب من هناك. فجاءت اخبار تحرك المعارضين المكيين الي عليّ فتحول عن قتال اهل الشام ليرد هؤلاء الثائرين مما قصدوا اليه . و يخرج علي من المدينه يريد البصره.\nوهناك في الكوفه يلتقي الجيشان، حيث اقتتل الفريقان قتالا شديدا، وراي المسلمون يوما ما لم يروا مثله شناعه ولا بشاعه؛ سل المسلمون فيه سيوفهم علي المسلمين، فقتل من هؤلاء واولئك جماعه من افضل اصحاب النبي و من خيره فقهاء المسلمين و قرائهم .\nوبلغ عدد القتلي كما يشير الكتاب، ما يتجاوز العشره الاف وان كثيرا من دور البصره والكوفه قد سكنها الحزن والحداد . و بعد ان انتهت الحرب في البصره امّر عليّ علي البصره عبدالله بن عباس، ورجع الي الكوفه يريد ان يستعد لحرب معاويه في الشام .\nاجتمع حول معاويه اهل مشورته وهم رؤوس الاجناد وشيوخ القبائل واهل بيته من بني ابي سفيان وبنو عمومته من بني أمية، وانضم اليه عمرو بن العاص . وبعد فشل كل محاولات الصلح يلتقي الجيشان في “صفين” . و هناك تزاحف الجيشان وتقاتلوا اشد قتال، وبينما الرجال في اقتتال اذ بالمصاحف قد نشرت و اذ بالتحكيم يطلب من قبل معاويه و يقبله عليّ .\nوتُكون لجنه تحكيم ثنائيه لوقف نزيف الدم المسلم بعد ان وصل قتلي اهل الشام ما فوق الاريعين الفا و قتلي اهل العراق ما فوق الخمسه و العشرين الفا . و ضمت اللجنه عمرو بن العاص من طرف معاويه و ابا موسي الاشعري من طرف علي . و انتهت اللجنه الي خلاف مشهود علي المنبر اخفي وراءه مكيده كبري . لقد كان اصل الاتفاق هو خلع الرجلين، معاويه وعلي .. و يترك الناس ليختاروا اميرا جديدا عليهم . الا ان ما حصل ان الاشعري صعد المنبر في براءه و اعلن خلعه لعلي و نزل، ثم جاء بعده العاص قد اثبت معلنا من ذات المنبر انه معاويه . و كان لابد للحرب ان تعود من جديد . فنهض علي باصحابه يريد الشام . لكنه لم يمض بهم الا قليلا حتي جاءته انباء قلبت خطته راسا علي عقب، كما يوضح طه حسين.\nفالخوارج قد تجمعوا في النهروان يرفضون التحكيم ولا يريدون عليا ولا يريدون معاويه معا . يرسل عليّ اليهم مفاوضا فيقتلوه . فيتحول جيش علي من سيره الي معاويه ليسير الي النهروان لقتال الخوارج . و كان عدد الخوارج ثلاثه الاف، وما هي الا ساعه حتي قتلوا عن اخرهم .\nوظن علي ان الامور قد استقامت بقتل الخوارج، ولم يرد بذهنه ان الثلاثه الاف هؤلاء، كانوا كلهم من اهل العراق و جلهم من الكوفه تحديدا. وعشائرهم و اقرباؤهم جميعهم في جيش عليّ.\nلذا ما ان عاد الجيش من معركه النهروان الي الكوفه حتي تسلل من معسكره، وعاد افراده الي البيوت وقد كرهت نفوسهم القتال . و اشتدت المحنه علي عليّ .\nويعدد طه حسين المحن ويذكر ان المحنه تشتد اكثر، حي يعلم عليّ ان نصره في النهروان لم يغن عنه شيئا . فقد بقي من الخوارج جماعه ظلت تكيد له المكايد . ثم تاتيه الانباء من مصر بان معاويه قد دخلها بجيش يقوده عمرو بن العاص و ان محمد بن ابي بكر الصديق قد قتل هناك.\nومنذ ذلك اليوم انقسمت الدولة الاسلامية الي قسمين : قسمها الشرقي تحت قبضه معاويه، وقسمها الغربي تحت امره علي بن ابي طالب* .\nو اما الجيش، فقد اشتد عصيانه علي الخليفه الذي تعب من محاولاته المستميته ان يعبئهم لقتال معاويه من جديد حتي انه قال فيهم كما يشير الكتاب: ” يا اشباه الرجال ولا رجال .. ويا عقول ربات الحجال”.\nيضاف الي ذلك ان معاويه يشن الغارات المتواليه علي اطراف ولايات عليّ، بينما يشعل بقايا الخوارج حروبا متقطعه هنا و هناك في الداخل. و فيما كان علي يعالج هذه المشاكل يتفق الخوارج علي خطه دمويه لقتل الثلاثه الذين هم اصل الاختلاف في ذلك الوقت: علي في الكوفه ومعاويه في الشام وعمرو بن العاص في مصر .\nكان عبدالرحمن بن ملجم موكلا باغتيال علي . و في فجر ذلك اليوم خرج عليّ مناديا للصلاه كعادته فاذا بسيف عبدالرحمن بن ملجم قد اصابه في راسه حتي بلغ دماغه، فخر علي حين اصابته الضربه و هو يقول “لا يفوتنكم الرجل”، وحمل الناس عليا الي داره حيث مات فيها في ليله اليوم الثاني . و حزناً علي رحيل عليّ بايع الناس ابنه الحسن، الذي كان رجل صدق قد كره الفرقه و اثر اجتماع الكلمه .\nمكث الحسن قريبا من شهرين لا يذكر الحرب التي كان يعد لها ابوه علي حتي الحوا عليه الحاحا و حرضوه تحريضا فخرج اخيرا في جيشه الي المدائن . الا ان معاويه بعث اليه يريد السلم و الصلح . و يقول الناس ان تحول معاويه للسلم مع الحسن سببه معرفته بان الحسن كان عثماني النزعه كارها للفتنه. و تم الصلح في نهايه المطاف ببيعه الحسن لمعاويه، حيث كان الحسن يريد بهذا الصلح حقن الدماء .\nاما و قد تم الصلح فقد حمل الحسن اشياءه وارتحل عائدا الي المدينه . لكنه بدا من هناك يدير امور احد اكبر الطوائف الاسلاميه، وهي “الشيعه”، لكنه ما لبث ان توفي عام خمسين للهجره، فصارت رئاسه الشيعه الي اخيه الحسين بن علي . و كان في الحسين شده و عزم اشبه شئ بشده و عزم عمر بن الخطاب .\nوقد شدد معاويه من قبضته علي الرعيه، كما اشتد الشيعه مع رئاسه الحسين في معارضتهم . واخذ معاويه يطوف علي الاقاليم ياخذ البيعه جبرا او اختيارا علي ولايه العهد لابنه يزيد المعروف بالخلاعه و المجون. فاستقر في الاسلام ملك يقوم علي الباس و البطش و الخوف . و قد تم ذلك سنه 56 هجريه .\nيموت معاويه و يجئ بعده ابنه يزيد، الذي رفض الحسين – الموجود في مكه – مبايعته، وارسل ابن عمه مسلم بن عقيل الي الكوفه لتعبئه الناس ضد يزيد . فيعلم يزيد بامرهم . و ذات يوم يخرج مسلم من مخبئه ومعه الالوف متجهين ناحيه مسجد الكوفه . و لكن الليل يجئ فيجد الفتي نفسه وحيدا فيقبض عليه و يرسل ليزيد فيقتله في اعلي القصر ومن هناك يلقي براسه ثم جثته ارضا . فيقرر الحسين المسير الي الكوفه و الناس يخوفونه بطش يزيد، وقد احتمل معه اهل بيته و فيهم النساء و الصبيان .\nمضي مع الحسين نفر من بني ابيه ومن بني اخيه الحسن واثنان من بني عبدالله بن جعفر ونفر من بني عمه عقيل و رجال اخرون . و انضم اليهم فيما بعد خلق كثير . وعند ابواب البصره كان جيش عمر بن سعد بن أبي وقاص متاهبا، فدارت الحرب .\nوفيها راي الحسين المحنه كاشنع ما تكون المحن – كما يؤكد المؤلف - راي اخوته واهل بيته يقتلون بين يديه وفيهم ابناؤه وابناء اخيه الحسن وابناء عمه، وكان هو اخر من قتل منهم بعد ان تجرع مراره المحنه فلم يبق منها شيئا .\nوتحدث طه حسين عن المحنه فيقول: يومذاك نظر المسلمون فاذا مسلمون مثلهم بينهم القرشي عمر بن سعد بن ابي وقاص يقتلون ابناء فاطمه بنت رسول الله ويقتلون ابناء علي ويسلبون الحسين حتي يتركوه متجردا بالعراء؛ ويصنعون به ما لا يصنع المسلمون بالمسلمين.\nثم يسبون النساء كما يسبي الرقيق وفيهم زينب بنت فاطمه بنت رسول الله، ثم تحمل رؤوس القتلي و فيهم راس الحسين لتوضع امام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان .\nيصف طه حسين الاحداث فيقول: كانت محنه للاسلام نفسه، خولف فيها عما هو معروف من الامر بالرفق ولنصح وحقن الدماء الا بحقها وانتهك احق الحرمات بالرعايه، وهي حرمه رسول الله صلّ الله عليه وسلمم التي كانت تفرض علي المسلمين ان يتحرجوا اشد الحرج، ويتاثموا اعظم التاثم، قبل ان يمسوا احداً من اهل بيته.\nكل ذلك ولم يمض علي وفاه النبي الا خمسون عاماً، لنعرف ان امور المسلمين صارت ايام معاويه وابنه الي شر ما كان يمكن ان تصير اليه.\nوتتلاحق الاحداث كما يبين طه حسين، فيثور اهل المدينه انتقاما لمقتل آل البيت ويخرجون عامل يزيد لديهم ويؤمرون منهم رجلا عليهم . فيضطر يزيد اخر الامر ان يرسل اليهم جيشا بقياده مسلم بن عقبة المري . فيصل الجيش المدينه و يقتل منها خلق كثير .. ثم اباح المدينه ثلاثه ايام لجنده يفعلون فيها بالرجال و بالنساء ما يشاؤون . ثم ياخذ البيعه علي من بقي منهم , لا علي كتاب الله و السنه , و لكن علي انهم “عبيد ليزيد” . ثم يتحول الجيش من المدينه الي مكه فيحاصر فيها ابن الزبير و اهلها ثم يرمي مكه بالمنجنيق و تحترق الكعبه، ثم تستباح مكه لجنود الجيش الغازي يفعلون بالرجال و النساء فيها ما يشاؤون .\nويوضح طه حسين عاقبه الفتنه فيقول: ثم لم تكن عاقبه هذا كله علي ال ابي سفيان الا خروج الملك منهم وانتقاله الي غيرهم. فقد مات يزيد ولمّا يملك الا اربع سنين.\nيتابع: قد انتهت هذه الفتنه التي شبت نارها في المدينه سنه خمس وثلاثين بقتل عثمان، الي هذه المرحله من مراحله بعد ان اتصلت ثلاثين عاماً او نحو ذلك، وازهق فيها ما ازهق من النفوس، وانتهك فيها ما انتهك من الحرمات، وقضي فيه علي سنه الخلافة الراشدة، وفُرق فيها المسلمون شيعاً واحزاباً واسس فيها ملك عنيف لا يقوم علي الدين، وانما يقوم علي السياسه والمنفعه.\nوقد اصبح للمسلمين مثل بعينه من هذه المثل العليا الكثيره التي دعا اليها الاسلام، وجعلت الفتنه تدور حول هذا المثل الاعلي لتبلغه فلا تظفر بشئ مما تريد، وانما تسفك الدم، وتزهق النفوس وتنتهك المحارم وتفسد علي الناس امور دينهم ودنيهم.\nوهذا المثل الاعلي هو العدل الذي يملا الارض وينشر فيها السلام والعافيه والذي تقطعت دونه اعناق المسلمين قروناً متصله دون ان يبلغوا منه شيئاً. حتي استياس من قربه بعض الشيعه ولم يستيئسوا من وقوعه، فاعتقدوا ان اماماً من ائمتهم سياتي في يوم من الايام فيملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً.\nلينهي المؤلف كتابه بعباره: “ولله حكمه اجري عليها امور الناس، والله بالغ امره، قد جعل لكل شئ قدرا”.

الخبر من المصدر