رابعة العدوية بين الحقيقة والأوهام بقلم:د. إبراهيم عوض

رابعة العدوية بين الحقيقة والأوهام بقلم:د. إبراهيم عوض

منذ 13 سنة

رابعة العدوية بين الحقيقة والأوهام بقلم:د. إبراهيم عوض

رابعة العدوية بين الحقيقة والأوهام د. إبراهيم عوض فى الجزء الثانى من كتاب د. يوسف القرضاوى: "من هدى الإسلام- فتاوى معاصرة" سؤال عن رابعة العدوية: هل هى شخصية حقيقية أم هل هى من اختراع الصوفية؟ وهذا هو السؤال: "سمعت أحد الخطباء المعروفين يحمل على السيدة رابعة العدوية الزاهدة الصالحة المشهورة ويقول إنها أسطورة اخترعتها الصوفية لينسبوا إليها ما لا يُقْبَل ولا يُعْقَل من الأقوال والأشعار مثل قولها فى مناجاة الله تعالى: فليتك تحـــــلو، والحيــــاة مـــــريــــرة وليت الذى بينى وبينك عــــــــامرٌ وليتك ترضى، والأنام غضـــابُ وبينى وبين العـــــالمين خــــــــرابُ وقولها: كلـــهـــــم يعبــــدوك من خـــوف نارٍ أو لأن يدخلــــوا الجِنَـــــان فيَحْظَوْا ليس لى فى الجنــــان والنـــار حظ * فـــــأمـــّـا الذى هــــو حب الهــــوى وأمــــــا الـــــذى أنت أهــــــــل لـــــه ومـــــــــا الحــمد فى ذا ولا ذاك لى * ويــَــرَوْنَ النجاة حظــــا جـــــزيلا بنعيمٍ و يشـــــربـــوا ســـلسبيــــلا أنـــــا لا أبــتــــغى بحبِّــــى بــــديلا * فشُغْـِــــلى بذِكْــــرِكَ عمــا سواكَ فكَشْفُك لِى الحُجْبَ حتى أراكَ ولكــــنْ لك الحمـد فى ذا وذاكَ وأطال الخطيب فى إنكار هذه الأشعار وماتضمنته من كفر وضلال حسب قوله. فهل ما ذكر هذا الخطيب صحيحٌ ومُسَلَّم، ولا وجود لهذه المرأة الصالحة؟ وهل هذه الأشعار تتضمن ضلالا و كفرا حقا؟ نرجو بيان رأيكم الذى عرفنا فيه الاعتدال، مبينا الأدلة من القران والسنة". فأجاب الدكتور بكلام كثير تناول فيه أشياء متعددة سوف نكتفى منها بما يهمنا هنا مع بعض التصرف، وهو أن الخطيب المذكور، إن صح ماذكره السائل عنه، أخطأ خطأين كبيرين: أنه اتخذ مجرد الجحود و الإنكار سلاحا فى نفى الوقائع التاريخية، وهذا أمر مرفوض فى منطق العلم، وإلا لقال من شاء ما شاء. ولكن يُقْبَل منه ومن مثله فى هذا المقام أن يقول إنه رجع إلى كتب التاريخ وكتب التراجم والطبقات التى عُنِيَتْ بالأعلام عامة، وبالزُّهّاد والعُبّاد خاصة، فلم يجد ذكرا لهذه العابدة الصالحة التى اخترعوها وسَمَّوْها: رابعة العدوية، بل يوجد من ثقات المؤرخين من أنكر وجودها وعاب على الصوفية ذكر أخبارها فى كتبهم. لكن الخطيب لم يقل هذا، ولايستطيع أن يقوله لأن الحقائق العلمية تكذبه، والوقائع التاريخية تصدمه. فكتب التاريخ والتراجم تثبت وجود رابعة العدوية وتترجم لها وتذكر بعض أقوالها وأعمالها وأشعارها، فضلا عن كتب الصوفية أنفسهم: ترجم لها أبو نعيم فى "حلية الأولياء"، وابن الجوزى فى "صفة الصفوة"، وابن خلكان فى "وَفَيَات الأعيان"، والذهبى فى "سِيَر أعلام النبلاء"، وابن كثير فى "البداية والنهاية"، وابن العماد فى "شَذَرات الذهب"، وصاحبة "الدُّرّ المنثور فى طبقات ربات الخدور"، والزِّرِكْلى فى"الأعلام". كما ذكرها القُشَيْرى فى "الرسالة"، وأبو طالب المكى فى "قوت القلوب"، والغزالى فى "الإحياء"، والسهروردى فى "عوارف المعارف"، والشعرانى فى "طبقاته"، وغيرهم. و ذكر ابن الجوزى فى "صفة الصفوة" أنه أفرد لها كتابا جمع فيه كلامها وأخبارها. والخطأ الثانى أن الخطيب عالج الموضوع الذى يريد معالجة تعتمد على الإثارة والتهييج لا على التنوير والتحقيق. والإثارة قد تعجب بعض سامعيه المعجبين به والذين تستهويهم الجرأة فى النقد أو النقض والهجوم والخروج على المسلَّمات عند الناس، ولكنها لا تعجب خاصةَ المثقفين و المستنيرين ممن يزنون الأمور بعقولهم ولا يأخذون كل مايقال قضيةً مسلَّمة. وقد كان حَسْبُ الخطيب هنا طريقين لا يملك ذو علم أو فكر أن ينكرهما أو أحدهما عليه: الطريق الأول التحقيق فيما يُنْسَب إلى رابعة العدوية أو غيرها من أقوال ومواقف، فليس كل ما نُسِب اليها صحيحا موثقا، بل قد يكون مقطوعا بنفيه عنها. من ذلك أنهم نسبوا اليها هذه الأبيات المشهورة تناجى بها ربها سبحانه: فليتك تحـــــلو، والحيـــــاةُ مـــــريـــرةٌ وليت الذى بينى و بينك عــــــامرٌ إذا صـــــح منك الــــوُدُّ فالكُلُّ هينٌ وليتك ترضى، والأنام غِضَـــابُ وبينى وبين العـــــالمين خــــــــرابُ وكل الذى فوق الــــتراب تــــرابُ و الأبيات ليست لرابعة بل البيتان الأول و الثانى من شعر أبى فراس الـحَمْدانى فى خطاب ابن عمه الأمير المشهور سيف الدولة، وهما مذكوران فى ديوانه من قصيدة مطلعها: أَمَـــــا لجميـــــلٍ عنـــــدكـــــنّ ثــوابُ لقد ضَلَّ من تَحْوِى هــواه خـــريدةٌ ولا لمسئٍ عنــــدكـــــن متـــابُ؟ وقد ذَلَّ من تَقْضىِ عليه كَعَابُ وأبو فراس كان فى القرن الرابع الهجرى، ورابعة فى القرن الثانى. أما البيت الأخير فهو من قصيدة المتنبى فى مدح كافور، وفيه "المال" مكان "الكُلّ". وكل مافى الأمر أن الصالحين وجدوا أن هذا الشعر لا يجوز أن يخاطَب به إلا الله جل جلاله فنسبوا الخطاب فيه لمن هو أهله. ولا أدرى من نسب الشعر إلى رابعة، خاصة ولم أقرأ هذا فى كتاب معتبر، وإن كان مشهورا على الألسنة، وليس كل مشهور على الألسنة حجة. وكذلك ماينسب اليها من الشعر الذى تقول فى آخره: ليس لى فى الجِنَـان و النــــار حَظٌّ أنـــــــا لا أبتغـــى بحبـــى بديــــــلا لا أدرى مدى صحة نسبته إليها". ثم مضى الدكتور القرضاوى فأورد بعض ما ينسب إليها من أقوال وأشعار ومواقف ممحصا له ليرى أهو حقيقى تاريخى أم لا، ومدليا برأى الإسلام فيما يُتَصَوَّر صدوره عنها. وما يهمنا من هذا كله هو أن هناك من يشكك فى وجود هذه العابدة الزاهدة بناء على ما ينسب إليها من شعر وتصرفات لا يقتنع بها عقله. والواقع أن هناك أشياء كثيرة تنسب إلى رابعة لا يمكن أن تكون صحيحة، وبخاصة أن أقرب من ترجموا لها، وهو الجاحظ الذى عاش فى القرن التالى لقرن وفاتها، لم يذكر عنها إلا أنها كانت من النساء الناسكات الزاهدات من أهل البيان، وذلك فى "البيان والتبيين" و"الحيوان" و"المحاسن والأضداد"، ثم أورد عنها فى الكتاب الأول الحكايتين التاليتين: "قيل لرابعة القيسيّة: لو كلّمتِ رجالَ عشيرتِك فاشتَرَوْا لكِ خادما تكفيك مهنةَ بيتِك؟ قالت: واللَّه إني لأستحي أن أسأل الدُّنيا مَن يملك الدنيا، فكيف أسألها من لا يملكُها؟"، "وقيل لرابعة القيسية: هل عملتِ عملا قطُّ تَرَيْنَ أنَّه يُقْبَلُ منك؟ قالت: إنْ كان شيءٌ فخوفي من أن يُرَدَّ عليَّ"، وهذا كل ما هنالك، وهو ما يدفع إلى التساؤل: إذا كان الجاحظ المستقصِى، وهو أقرب من كتبوا عنها إلى عصرها، لم يزد فى الكتابة عنها على هذه السطور القلائل، فضلا عن أن أحدا آخر من كتاب عصره أو من العصر الذى يليه لم يكتب شيئا فى هذا الموضوع، فمن أين أتى من جاؤوا بعده بهذا الذى يُعْزَى إليها من أشعار وأنثار ومواقف وحكايات؟ ومن نقله إليهم يا ترى؟ يمكن أن يقال إن بعض هذا المنسوب إليها قد يكون صحيحا، إذ لعله كان موجودا فى كتب مبكرة ضاعت فلم تصل إلينا أو لعله استمر يُتَنَاقَل شفويا حتى سجله بعض من أتى بعد الجاحظ. ولا أريد أن أجادل فى هذا رغم غرابته، إذ من المستبعد جدا أن تكون رابعة بهذه الأهمية التى تُظْهِرها بها تلك الكتابات المتأخرة ثم لا يهتم بها أحد من القرنين التاليين لها اهتماما يُذْكَر، بل أنا الذى طرحته رغبة فى حل لتلك المشكلة، لكننى فى ذات الوقت لا أستطيع أن أقبل ما يمتلئ من تلك الأخبار بالمبالغة التى لا يقبلها العقل أو التى تتعارض مع ما نعرفه من الطبيعة البشرية، مع أخذنا فى الاعتبار أن هناك دائما استثناءات من الطابع الشائع لهذه الطبيعة، إلا أن هناك دائما سقفا لا يمكن أن ترتفع فوقه تلك الطبيعة. وأرجو أن يتنبه القارئ إلى أن الاختلاف فى سنة وفاة رابعة يبلغ خمسين عاما، إذ يقول بعض إنها ماتت سنة 135هـ، وبعض آخر سنة 185هـ. فإذا كان الشك فى تاريخ وفاتها يبلغ هذا المدى، فما بالنا بأخبارها وأقاويلها وأشعارها، التى لم تسجل إلا بعد تلك الوفاة بزمنٍ جِدِّ طويل؟ وقد وجدتُ د. عبد الرحمن بدوى لا يطمئن إلى شىء يتصل برابعة العدوية على ما سوف يأتى بيانه لاحقا فى هذا الفصل. كما رأيت كاتب مادة "رابعة العدوية" فى "دائرة المعارف الإسلامية" يبدى تشككا كبيرا فى أخبارتلك العابدة، بل يكاد يشك فى كل شىء يتعلق بتلك الأخبار. وهذه عبارته فى أصلها الإنجليزى تشهد على ذلك: "One cannot go so far as to throw into doubt her historical existence, but the traditions about her life and teachings include a very large proportion of legend which today can hardly be distinguished from in mind, one may nevertheless be permitted to present a portrait of the saint as it was conceived by her coreligionists over the course of the centuries". والآن إلى بعض ما كتبه المؤلفون فى ترجمة رابعة العدوية حتى نعرف ماذا قيل عنها، وإلى أى مدى يمكن الاطمئنان إليه: ففى "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" لأبى حاتم السجستانى (ت354هـ): "أنبأنا علي بن سعيد حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا سهل بن عاصم حدثنا نافع بن خالد قال: دخلنا على رابعة العدوية فذكرْنا أسباب الرزق، فخضنا فيه وهي ساكتة. فلما فرغنا قالت رابعة: خيبةً لمن يدعي حُبّه ثم يتهمه في رزقه". وفى "التعرف لمذهب أهل التصوف" للكلاباذى (ت380هـ): "دخل جماعة على رابعة يعودونها من شكوى، فقالوا: ما حَالُكِ؟ قالت: والله ما عرفتُ لعلتى سببا. عُرِضَتْ علىَّ الجنة، فملت بقلبى إليها، فأحسب أن مولاى غار علىَّ فعاتبنى. فله العُتْبَى". وفى "أسرار التوحيد" للمنور (ت600هـ): "قال أبو سعيد الخير إنه سمع من أبى علىٍّ الفقيه أن رابعة سئلت كيف بلغتْ هذه المرتبة فى الحياة الروحية. فأجابت: بقولى دائما: اللهم إنى أعوذ بك عن كل ما يشغلنى عنك، ومن كل حائل يحول بينى وبينك". وفى "الحلية" لأبى نعيم الأصفهانى: "قال أبو عبد الله بن عمرو، قال: نظرت رابعة إلى رياح (ت195هـ)، وهو يقبّل صبيا من أهله ويضمه إليه، فقالت: أتحبه؟ قال: نعم. قالت: ما كنتُ أحسب أن فى قلبك موضعا لغيره، تبارك اسمه. قال: فسقط رياح مغشيا عليه، ثم أفاق وهو يمسح العرق من عند وجهه وهو يقول: رحمة من الله تعالى ذِكْرُه ألقاها فى قلوب العباد للأطفال". وعن "عين القضاة" للهمذانى أنه "خطبها عبد الواحد بن زيد مع علوّ شأنه، فهجرته أياما حتى شفع إليها إخوانه. فلما دخل عليها قالت له: يا شهوانى، اطلب شهوانية مثلك!". وعن "الشذرات" لابن العماد أنها كانت تقول لربها: "وعزتك ما عبدتُك رغبةً فى جنتك، بل لمحبتك. وليس هذا ما قطعت عمرى فى السلوك إليه". وفى "إتحاف السادة المتقين فى شرح إحياء علوم الدين" للزبيدى: "قال سفيان الثورى رحمه الله تعالى لرابعة ابنة إسماعيل العدوية البصرية العابدة رحمهاالله تعالى، وكانت إحدى المحبين، ماتت سنة 135، وكان الثورى يقعد بين يديها ويقول: عَلِّمينا مما أفادك الله من طرائف الحكمة. وكانت تقول له: نِعْمَ الرجل أنت لولا أنك تحب الدنيا! وقد كان الثورى زاهدا عالما، إلا أنها كانت تجعل إيثار كتب الحديث والإقبال على الناس من أبواب الدنيا. وقال لها الثورى يوما: لكل عقدٍ شريطة، ولكل إيمان حقيقة، وما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدتُه خوفا من ناره ولا حبا لجنته، فأكون كأجير السوء: إن خاف عَمِل، أو إذا أُعْطِىَ عَمِل، بل عبدتُه حبا له وشوقا إليه. وروى عنها حماد بن زيد أنها قالت: إنى لأستحيى أن أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟ فكان هذا جوابا لأنه قال: سلينى حاجتك. وخطبها عبد الواحد بن زيد، فحجبته أياما حتى سئلت أن يدخل عليها، فقالت له: يا شهوانى، اطلب شهوانية مثلك! أىَّ شىء رأيت فىَّ من آلة الشهوة؟ وخطبها محمد بن سلميان الهاشمى أمير البصرة على مائة ألف، وقال: لى غَلّةُ عشرةِ آلافٍ فى كل شهرٍ أحملها إليك. فكتبت إليه: ما يَسُرّنى أنك لى عبد وأن كل مالك لى وأنك شغلتنى عن الله طرفة عين. وقد قالت فى المحبة أبياتا (نظما) تحتاج إلى شرحٍ حَمَلها عنها أهل البصرة وغيرهم، منهم سفيان الثورى وجعفر بن سليمان الضُّبعى وعبد الواحد بن زيد وحماد ين زيد، وهذه هى: أُحِبّكَ حبين: حــــــــــبَّ الهـــــــوى فــــأمــــا الذي هــــو حُبُّ الهـــــوى وأمــا الــــــــــــذي أنت أهــــــل لــــه فـــــــــلا الحمـــــد في ذا ولا ذاك لي وحُـــبًّا لأنـــك أهــــــــل لــــــــذاكـا فشُغْلِي بذكرك عمـن ســــواكــــــا فكَشْفُك لِي الحُجْبَ حتى أراكـا ولكنْ لك الحمــــــــــد في ذا وذاكا وقد تكلم صاحب "القوت" على هذه الأبيات بكلام ساطع الأنوار يَعْرِفه من رُزِقَه، ويُنْكِره من حُرِمَه. والمصنف رحمه الله أشار إلى زُبْدَة كلامه. فلنورد كلامه أولا ثم كلام صاحب "القوت". قال المصنف: ‘ولعلها أرادت بحب الهوى: حب الله لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة، وبحبه لما هو أهل له: الحب لجماله وجلاله الذي انكشف لها، وهو أعلى الحبين وأقواهما’. وأما صاحب "القوت" فقال: ‘فأما قولها: "حبّ الهوى" وقولها: "حب أنت أهل له" وتفريقها بين الحبين فإنّه يحتاج إلى تفصيل حتى يقف عليه من لا يعرفه، ويَخْبُره من لم يشهده، وفي تسميته ونعت وصفه إنكار من ذوي العقول ممن لا ذوق له ولا قدم فيه، ولكنّا نحمل ذلك وندّل عليه من عرفه. يعني "حب الهوى": إني رأيتك فأحببتك عن مشاهدة عين اليقين، لا عن خبرٍ وسَمْعِ تصديقٍ من طريق النعم والإحسان، فتختلف محبتي إذا تغيرت الأفعال لاختلاف ذلك عليّ، ولكن محبتي من طريق العيان، فقَرُبْتُ منك وهربت إليك واشتغلت بك وانقطعت عمّن سواك. وقد كانت لي قبل ذلك أهواء متفرقة، فلما رأيتك اجتمعت كلّها فصرتَ أنت كلية القلب وجملة المحبة، فأنسيتَني ما سواك. ثم إني مع ذلك لا أستحق على هذا الحب، ولا أستأهل أن أنظر إليك في الآخرة على الكشف والعيان في محل الرضوان، لأن حبي لك لا يوجب عليك جزاء عليه، بل يوجب عليَّ كل شيء لك مني مما لا أطيقه ولا أقوم بحقك فيه أبدا، إذ كنتُ قد أحببتك فلزمني خوف التقصير، ووجب عليَّ الحياء من قلة الوفاء، فتفضلتَ عليَّ بفضل كرمك، وما أنت له أهل من تفضلك، فأريتني وجهك عندك آخرا كما أريتنيه اليوم عندي أولاً. فلك الحمد على ما تفضلت به في ذا عندي في الدنيا، ولك الحمد على ما تفضلت به في ذاك عندك في الآخرة، ولا حمد لي في ذا ههنا ولا حمد لي في ذاك هناك، إذ كنتُ وصلتُ إليهما بك. فأنت المحمود فيهما لأنك وصلتني بهما. فهذا الذي فسّرناه هو وجد المحبين المحققين. وقد كانت تَذْكُر الأنس في وجدها، وترتفع إلى وصف معنًى من الخُلَّة فى قولها السائر: إني جعلتك في الــــــفؤاد محــــــدِّثي فالجســـــــم مني للجـــــليس مؤانسٌ وأبحتُ جسمى من أراد جلوسي وحبيب قـــــــلبي في الفؤاد أنيسـي ومن قولها النادر في مقام الخُلّة: وتخلَّلْتَ مســــــلك الـــــــــــروح مني فإذا مـــــا نطقتُ كنتَ حـــــــديثي وبــــه سُمِّيَ الخــــــليـــل: خـــليــــلا وإذا مــــا سكـتُّ كنتَ الغـــليــــلا وقد أهَّل ذلك لها كل ما نقله عنها العلماء ووصفوها به، فوَصَفْنا من نعت المحبين بعض ما يصلح من معنى كلامها لأنا ظننّا بقولها ذلك أَنْ كان لها في المحبة قدم. ولا يسعنا أن نشرح في كتابٍ كشف حقيقة ما أجملناه ولا أن نفصّل وصف ما ذكرناه. ومَنْ لم يكن من المحبين كذلك حتى لا يُدِلّ بمحبته ولا يقتضي الجزاء عليها من محبوبه ولا يوجب على حبيبه شيئًا لأجل محبته فهو مخدوع بالمحبة ومحجوب بالنظر إليها. وإنما ذاك مقام الرجاء، الذي ضده الخوف، وليس من المحبة في شيء. ولا تصح المحبة إلاّ بخوف المقت في المحبة. وقال بعض العارفين: ماعرفه من ظن أنه عرفه، ولا أحبّه من توهمّ أنه أحبه’...". وفي "شرح الزبيدي": "وقالت أم الخير رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية، قُدِّس سِرّها، المتوفاة سنة 135، يوما: من يدلنا على حبيبنا؟ فقالت خامة لها: حبيبنا معنا، ولكن الدنيا قطعتنا عنه. اعلم أن رابعة، قُدِّس سِرُّها، كانت رأسا في المعرفة والمحبة كما هو مشهور من حالها، ولا يخفى عليها مقام المعيّة. وإنما قالت ما قالت وهي في مقام الاستغراق الذى هو من نتائج المحبة وغلب عليها الشوق على المشاهدة. والمحب في مقام القُرْب قد يتطلب من يأخذ بيده ويتعلق بالأذيال، فنبهتها الخادمة على أن الوصول إلى مقام المشاهدة لا يكون إلا بعد المفارقة من هذا العالم، فتمتنع عليه القواطع. فما أدق نظرها رحمها الله!... وقيل لرابعة قُدِّس سرها: كيف حُبُّك للرسول صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: والله إني لأحبه حبا شديدا، ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين. وحُكِيَ عن أبي سعيد الخراز، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت: يا رسول الله، اعذرنى، فإن محبة الله شغلتني عن محبتك. فقال: يا مبارك، من أحب الله فقد أحبني". وفى "الرسالة القشيرية": "سئلت رابعة: متى يكون العبد راضيا؟ فقالت: إذا سَرّته المصيبة كما سَرّته النعمة... وقال رجل لرابعة: إني قد أكثرت من الذنوب والمعاصي، فلو تُبْتُ هل يتوب عليَّ؟ فقالت: لا، بل لو تاب عليك لتبتَ". وفى "طبقات الأولياء" لعبد الرؤوف المناوى "أن لصا دخل حجرتها وهي نائمة، فحمل الثياب وطلب الباب فلم يجده، فوضعها فوجده، فحملها فخَفِيَ عليه. فأعاد ذلك مرارا، فهتف به هاتف: دع الثياب، فإنا نحفظها ولا ندعها لك، وإن كانت نائمة. قال البوني: وهذا تحقيق التمكين بقوله تعالى: ‘له مُعَقِّباتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه...’. وخاطت بعضَ قميصها في ضوء مشعلة سلطانية ففقدت قلبها زمانا حتى تذكرتْ، فمزقت القميص، فعاد قلبها. وسُئِلَتْ: متى يكون العبد راضيا؟ فقالت: إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة. وكانت شديدة الخوف جدا، فإذا سمعتْ ذِكْر النار أُغْمِيَ عليها. وكانت تقول: لو كانت الدنيا لرجل ماكان بها غنيا. قيل: كيف؟ قالت: لأنها تفنى. قالوا: مكثتْ أربعين سنة لا ترفع رأسها حياءً من الله. وكانت تقول: ما سمعت الأذان إلا ذكرتُ منادي يوم القيامة، وما رأيت الثلج إلا ذكرتُ تطاير الصحف، وما رأيت الجراد إلا ذكرتُ الحشْر". وفى "مصارع العشاق" للسَّرّاج القارى (من أهل القرن الخامس الهجرى) نقرأ ما يلى: "أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي بقراءتي عليه قال: أخبرنا محمد بن عبد الله القطيعي قال: حدثنا الحسين بن صفوان قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد القرشي قال: حدثنا محمد هو ابن الحسين قال: حدثني عصام بن عثمان الحلبي قال: حدثني مسمع بن عاصم قال: قالت لي رابعة العدوية: اعتللتُ علةً قطعتْني عن التهجد وقيام الليل، فمكثت أياما أقرأ جزئي إذا ارتفع النهار لما يُذْكَر فيه أنه يعدل قيام الليل. قالت: ثم رزقني الله عز وجل العافية، فاعتادتني فترة في عقب العلة، وكنت قد سكنتُ إلى قراءة جزئي بالنهار، فانقطع عني قيام الليل. قالت: فبينا أنا ذات ليلة راقدة أُرِيتُ في منامي كأني رُفِعْتُ إلى روضة خضراء ذات قصورٍ ونبت حسن، فبينا أنا أجول فيها أتعجب من حسنها إذا أنا بطائر أخضر، وجارية تطارده كأنها تريد أخذه. قالت: فشغلني حسنها عن حسنه، فقلت: ما تريدين منه؟ دعيه، فوالله ما رأيت طائرا قط أحسن منه. قالت: بلى. ثم أخذتْ بيدي فأدارت بي في تلك الروضة حتى انتهت بي إلى باب قصر فيها، فاستفتحتْ، ففُتِح لها، ثم قالت: افتحوا لي بيت المِقَة. قالت: ففُتِح لها بابٌ شاع منه شعاع استنار من ضوء نوره ما بين يدي وما خلفي، وقالت لي: ادخلي. فدخلت إلى بيت يحار فيه البصر تلألؤا وحسنا ما أعرف له في الدنيا شبيها أشبّهه به. فبينا نحن نجول فيه إذ رُفِع لنا باب يُنْفَذ منه إلى بستان، فأهوت نحوه وأنا معها، فتلقانا فيه وُصَفاء كأن وجوههم اللؤلؤ، بأيديهم المجامر، فقالت لهم: أين تريدون؟ قالوا: نريد فلانا قُتِل في البحر شهيدا. قالت: أفلا تجمّرون هذه المرأة؟ قالوا: قد كان لها في ذلك حظ فتركتْه. قالت: فأرسلتْ يدها من يدي، ثم أقبلتْ علي فقالت: صَــــلاتُكِ نورٌ، والــعِبـــادُ رُقـــــــودُ وعُمْـــرُكِ غُنْم إن عقلــــتِ ومهلـــةٌ ونوْمـــــك ضِــــدٌّ للصّــلاة عنيــــــدُ يســــيرُ ويفنــــى دائمــــــا ويبيـــــــدُ ثم غابت من بين عيني، واستيقظتُ حين تبدى الفجر، فوالله ما ذكرتها فتوهمتها إلا طاش عقلي، وأنكرتُ نفسي. قال: ثم سقطت رابعة مغشيًّا عليها". ويقول الزمخشرى (من أهل القرنين: 5- 6هـ) فى "ربيع الأبرار ونصوص الأخبار": "اجتمعتْ عند رابعة عِدّةٌ من الفقهاء والزهاد، فذموا الدنيا، وهي ساكتة. فلما فرغوا قالت لهم: من أحب شيئا أكثر من ذكره: إما بحمد وإما بذم. فإن كانت الدنيا في قلوبكم لاشيء فلم تذكرون لاشيء؟". وفى ترجمة رابعة العدوية فى كتاب "المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم" لابن الجوزى (508- 567هـ): "أخبرنا أبو القاسم الحريري، قال: أنبأنا أبو طالب العشاري، قال: أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد المزكي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق بن إسحاق السراج، قال: حدَّثنا حاتم بن الليث الجوهري، قال: حدَّثنا عبد الله بن عيسى، قال: دخلتُ على رابعة العدوية بيتها، فرأيت على وجهها النور، وكانت كثيرة البكاء، فقرأ رجل عندها آيةً ذُكِر فيها النار، فصاحت ثم سقطت. ودخلتُ عليها وهي جالسة على قطعة بوريّ خَلَقٍ، فتكلم رجل عندها بشيء، فجعلتُ أسمع وقع دموعها على البوريّ مثل الوَكْف، ثم اضطربتْ وصاحتْ، فقمنا وخرجنا. قال محمد بن عمر: دخلت على رابعة، وكانت عجوزا كبيرة بنت ثمانين سنة، كأنها الشَّنّ، تكاد تسقط، ورأيت في بيتها كراخة بواري، ومشجب قصب فارسي طوله من الأرض قدر ذراعين عليه أكفانها، وستر البيت جلّة، وربما كان بوريًّا، وحُبٌّ وكوز ولِبْدٌ هو فراشها، وهو مصلاها. وكانت إذا ذكرت الموت انتفضت وأصابتها رعدة، وإذا مرت بقوم عرفوا فيها العبادة. وقال لها رجل: ادعي لي. فالتصقت بالحائط وقالت: من أنا يرحمك الله؟ أطع ربك وادعه، فإنه يجيب دعوة المضطر. قال مؤلف الكتاب: كانت رابعة محققة فطنة. ومن كلامها الدال على قوة فهمها قولها: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي: ‘أستغفر الله’. وكان سفيان الثوري يقول: مُرُّوا بنا إلى المؤدبة التي لا أجد من أستريح إليه إذا فارقتُها. وقال يوما بين يديها: واحزناه! فقالت: لا تكذب. قل: واقلة حزناه! لو كنتَ محزونا ما هَنَاك العيش. وقيل لها: هل عملت عملا تَرَيْنَ أنه يُقْبَل منك؟ فقالت: إن كان فمخافتي أن يُرَدَّ عَلَيَّ". وفى "وفيات الأعيان" لابن خلكان (608- 681هـ) أنها "أم الخير رابعة ابنة إسماعيل العدوية البصرية مولاة آل عَتِيكٍ الصالحة المشهورة. كانت من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة. وذكر أبو القاسم القشيري في "الرسالة" أنها كانت تقول في مناجاتها: إلهي، أتحرق بالنار قلبا يحبك؟ فهتف بها مرة هاتف: ما كنا نفعل هذا، فلا تظني بنا ظنَّ السَّوْء. وقال يوما عندها سفيان الثوري: واحزناه! فقالت: لا تكذب. بل قل: واقِلَّةَ حزناه! لو كنت محزونا لم يتهيأ لك أن تتنفس. وقال بعضهم: كنت أدعو لرابعة العدوية، فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمَّرة بمناديل من نور. وكانت تقول: ما ظهر من أعمالي فلا أعدّه شيئا. ومن وصاياها: اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم. وقالت لأبيها: يا أبه، لست أجعلك في حِلٍّ من حرامٍ تطعمنيه. فقال لها: أرأيتِ إن لم أجد إلا حراما؟ قالت: نصبر في الدنيا على الجوع خير من أن نصبر في الآخرة على النار. وكانت إذا جَنَّ عليها الليل قامت إلى سطحٍ لها ثم نادت: إلهي، هدأت الأصوات، وسكنت الحركات، وخلا كل حبيب بحبيبه. وقد خلوت بك أيها المحبوب، فاجعل خلوتي منك في هذه الليلة عتقي من النار. ولقي سفيان الثوري رابعة، وكانت زَرِيّة الحال، فقال لها: يا أم عمرو، أرى حالاً رَثَّة. فلو أتيتِ جارك فلانا لغيَّر بعض ما أرى. فقالت له: يا سفيان، وما ترى من سوء حالي؟ ألستُ على الإسلام؟ فهو العِزُّ الذي لا ذل معه، والغِنَى الذي لا فقر معه، والأنس الذي لا وحشة معه. والله إني لأستحيي أن أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟ فقال سفيان: ما سمعت مثل هذا الكلام. وقالت رابعة لسفيان: إنما أنت أيام معدودة. فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل، وأنت تعلم فاعمل. وكان أبو سليمان الهاشمي له بالبصرة كل يوم غلة ثمانين ألف درهم، فبعث إلى علماء البصرة يستشيرهم في امرأة يتزوجها، فأجمعوا على رابعة العدوية، فكتب إليها: أما بعد، فإن مُلْكِي من غَلّة الدنيا في كل يوم ثمانون ألف درهم. وليس يمضي إلا قليل حتى أتمها مائة ألف إن شاء الله. وأنا أخطبك نفسك، وقد بذلتُ لك من الصَّداق مائة ألف، وأنا مُصَيِّرٌ إليك مِنْ بَعْدُ أمثالها، فأجيبيني. فكتبت إليه: ‘أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن. فإذا أتاك كتابي فهَيِّئْ زادك، وقَدِّمْ لمعادك، وكن وصيَّ نفسك، ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصُمْ دهرك، واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خَوَّلني أضعاف ما خَوَّلك فيشغلني بك عنه طرفة عين. والسلام’. وقالت امرأة لرابعة: إني أحبك في الله. فقالت لها: أطيعي من أحببتني له. وكانت رابعة تقول: اللهم قد وهبتُ لك مَنْ ظلمني، فاسْتَوْهِبْني ممن ظلمتُه. قال رجل لرابعة: إني أحبك في الله. قالت: فلا تعص الذي أحببتَني له. إني جعلتك في الــــــفؤاد محــــــدِّثي فالجســـــــم مني للجـــــليس مؤانسٌ وأبحتُ جسمى مــن أراد جلوسي وحبيب قــــلبي في الفــــــؤاد أنيسي وكانت وفاتها في سنة خمس وثلاثين ومائة. ذكره ابن الجوزي في "شذور العقود". وقال غيره: سنة خمس وثمانين ومائة، رحمهما الله تعالى. وقبرها يزار. وفي كتاب "صفة الصفوة" في ترجمة رابعة المذكورة بإسناد له متصل إلى عبدة بنت أبي شوال قال ابن الجوزي: وكانت من خيار إماء الله تعالى، وكانت تخدم رابعة، قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس، كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور. وكان هذا دأبها دهرَها حتى ماتت. ولما حضرتها الوفاة دعتني وقالت: يا عبدة، لا تُؤْذِني بموتي أحدا، وكفنيني في جُبّتي هذه. وهي جُبّة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون. قالت: فكفَّنّاها في تلك الجبة، وفي خمار صوف كانت تلبسه، ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حُلّةُ إستبرقٍ خضراءُ وخمارٌ من سندسٍ أخضر لم أر شيئا قط أحسن منه. فقلت: يا رابعة، ما فعلتِ بالجبة التي كفَّنّاك فيها والخمار الصوف؟ قالت: إنه والله نُزِع عني، وأُبْدِلْتُ به ما تَرَيْنَه علي، فطُوِيَتْ أكفاني وخُتِم عليها، ورُفِعَتْ في عِلِّيّين ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة. فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا. فقالت: وما هذا عند ما رأيتُ من كرامة الله عز وجل لأوليائه؟ فقلت لها: فما فعلتْ عبيدة بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات هيهات! سبقتنا والله إلى الدرجات العلا. فقلت: وبِمَ، وقد كنتِ عند الناس أكبرَ منها؟ قالت: إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحتْ من الدنيا وأمستْ. فقلت لها: فما فعل أبو مالك؟ أعني ضيغما. قالت: يزور اللهَ عز وجل متى شاء. قلت: فما فعل بشر بن منصور؟ قالت: بَخٍ بَخٍ! أُعْطِيَ والله فوق ما كان يؤمِّل. قلت: فمُرِيني بأمر أتقرب به إلى الله عز وجل. قالت: عليك بكثرة ذكره. يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك. رحمهما الله تعالى". ويقول ابن العماد الأقفهسى (680- 867هـ): "قالت رابعة العدوية لصالح المري، وكان يقول كثيرا: ‘مَنْ أدمن قَرْعَ باب يوشك أن يفتح له’، فقالت رابعة: إلى متى تقول؟ من أغلق هذا حتى يستفتح؟ فقال صالح: شيخٌ جَهِل، وامرأةٌ عَلِمَتْ". وفى "المستطرَف من كل فنٍّ مستظرَف" للأبشيهى: "كانت رابعة العدوية تصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وتقول: والله ما أريد بها ثوابا، ولكن ليَسُرّ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. ويقول للأنبياء عليهم الصلاة والسلام: انظروا إلى امرأةٍ من أُمّتي هذا عَمَلُها في اليوم والليلة". ولصلاح الدين الصفدى (696- 764هـ) فى ترجمة رابعة العدوية من كتابه: "الوافى بالوفيات": "رابعة بنت اسماعيل أم عمرو العدوية، وقيل: أم الخير، ولاؤها للعَتَكِيّين. وقد أورد ابن الجوزي أخبارها في جزء وقال: وفي الشاميات رابعة العابدة. وكانت عبدةُ بنت أبي شوال معاصرة لها، وربما تداخلت أخبارهما. ونسبها بعضهم إلى الحلول لإنشادها: إني جعلتك في الــــــفؤاد محــــــدِّثي فالجســـــــم مني للجـــــليس مؤانسٌ وأبحتُ جسمى مــن أراد جلوسي وحبيب قــــلبي في الفــــــؤاد أنيسي وهو جهل. قال الشيخ شمس الدين: ما أحسب أن أحدا نسبها إلى ذلك إلا حلوليٌّ مباحيٌّ ليُنَفِّق بها زندقته". وفى كتاب "شاعرات العرب فى الجاهلية والإسلام" لبشير يموت نقرأ أنها "هي أم الخير، رابعة بنت إسماعيل العدوية. امرأة صالحة من أهل البصرة اشتهرت بالعبادة والنسك. توفيت بالقدس 185 هجرية. من شعرها قولها في الذات الإلهية: إني جعــــــلتكَ في الفؤاد محــــــدِّثي فالجســــم منى للجـــــــليس مؤانسٌ * حبيــــبٌ ليـــــس يَعْــــدِلُــــه حبيبُ حبيبٌ غاب عن بصري وشخصي * وزادي قـــــليـــــل ما أراه مُبَــــلـِّـغي أتحرقني بالنــــار يا غــــــاية المنى؟ * أحبـُّـــــــكَ حبين،: حُــبَّ الهـــــوى فأمـــــا الذي هو حــــــب الهــــــوى وأمــــــــا الـــــذي أنت أهــــــلٌ لـــــه فـــــلا الحــــمـــــد في ذا ولا ذاك لي * * * وأبحتُ جسمي من أراد جلوسي وحبيـــبُ قلبي في الفـــــؤاد أنيسي * ومــــــا لسواه في قلـــــــبي نصيــــبُ ولكـــــن عـــــن فــــؤادي ما يغيبُ * أللزاد أبكـــي أم لطول مسافــــتي؟ فأين رجــائي فيك؟ أين مخافتي؟ * وحُبًّـــــــــا لأنك أهــــــلٌ لـِــــــــذاكا فشُغْلِي بذِكْـــــرك عَــــــــمَّنْ سواكا فكَشْفُك لي الحُجْـــب حتى أراكا ولكنْ لك الحمـــــــــد في ذا وذاكـا وقالت حين خطبها الحسن البصري معتذرة: راحتي، يا إخــــوتي، في خـــــلـوتي لم أجـــــــد لي عن هــــــواه عوضـًــا حيثمـــــا كنت أُشَــــــــاهِدْ حسنه إنْ أمتْ وجـــــــدا، ومـا ثَمَّ رِضًى يا طبيب القــلب يحيـــــــــا دائمـــــا قد هجـــــرتُ الخلـــق جمعًا أرتجي وحبيــــبي دائمــــــا في حـــضــــــرتي وهــــــــــــــــواه في البـــــــــــرايـا محنتي فـــــهـو محـــــــــرابي. إليه قِبْـــــــــلتي وا عنائي في الـورى! وا شِـْـَقوتي! نشــــأتي منك، وأيضــا نشـــــــوتي منك وصلاً، فهو أقصــى مُنْيَــــــتي وللدكتور عبد الرحمن بدوى كتاب عن رابعة قرر فيه أنها أدخلت فى التصوف الإسلامى مفهوم العشق الإلهى، ثم قارن بينها وبين القديسة تيريزا، قائلا إن تصوفها متأثر بالتصوف النصرانى فى موضوع المحبة الإلهية (انظر كتابه: "شهيدة العشق الإلهى رابعة العدوية"/ ط2/ مكتبة النهضة المصرية/ 1962م/ 10 وما بعدها). ومن بين ما قاله أيضا أنها قد توغلت فى الإثم وأن هذا هو السبب فى عنفها بعد التوبة ردًّا على ما كانت عليه من عنف شهوانى (ص17، 23). كذلك يقف عند بعض أشعارها فى الحب مؤكدا أن الحب فى بعض تلك النصوص حسى لا روحى (ص23- 26). ثم يمضى فيفترض أن تكون قد مرت بتجربة عاطفية فاشلة هى السبب فى اتجاهها إلى الله بحبها بوصفه نوعا من التعويض (ص19، 25). لكن لو كانت هناك مثل تلك التجربة العاطفية الفاشلة أكانت ترفض كل من تقدم لخِطْبَتها معلنة على نحو حاسم أنها ليس لها أى أَرَبٍ فى هذا المجال؟ وبالمثل يُبْعِد د. بدوى يبعد النجعة إذ نراه (ص26- 27) يتكلم عن الخِطْبَة والزواج الروحى بين رابعة وبين الله، مقارنا ذلك بما عند القديسة تيريزا فى الديانة النصرانية. وهو يورد نصا من كتاب "عقلاء المجانين" لأبى القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابورى جاء فيه أن رابعة قد زارت حيونة إحدى صواحبها، فلما كان جوفُ الليل غلب النومُ رابعةَ، فقامت حيونة وركلتها برجلها قائلة: قُومِى. قد جاء عرس المهتدين يا من زَيَّن عرائسَ الليل بنور التهجد. ثم يعلق قائلا على هذا النص بأنه "نص على أكبر درجة من الخطورة لأنه يتحدث عن وجود فكرة الزواج من الله والاقتران به لدى الصوفيات المسلمات منذ القرن الثانى الهجرى. لكن ينبغى أن نتنبه إلى الأمور التالية: الأول أننا لا ندرى مدى صحة الخبر الذى رواه النيسابورى. بل إن د. بدوى نفسه يكاد يشك فى كل شىء يتصل برابعة حتى إنه ليلحقها بالأساطير (ص6- 7 من كتابه عنها)، فلم التمسك إذن بهذا النص وأمثاله من النصوص التى اعتمد عليها فى استخلاص نظرياته وفروضه عن التصوف الإسلامى فى ذلك العصر؟ والثانى أن هذا النص، إن كان نصا حقيقيا ولم يكن مخترعا ككثير من النصوص التى تتعلق برابعة، يتحدث عن "المهتدين" لا عن "المهتديات". وعلى هذا فإن الكلام فيه على أحسن تقدير ليس عن النساء وحدهن، بل عن الرجال والنساء جميعا. كما أن حيونة قد أشارت إلى دور رابعة فى هذا العرس، ألا وهو تهجدها، الذى يشع على من حولها نورا كما أشارت. فأين التهجد من الخِطْبة والزواج؟ ثم أى خِطْبة وزواج من الله، وكل من هنالك من الرجال والنساء مُشْتَرِك فى تلك المناسبة، التى لا يعدو التعبير عنها بـ"العرس" أن يكون تعبيرا مجازيا كما هو واضح لكل ذى عينين؟ أنقول إن كل هؤلاء من رجال ونساء سيشتركون فى ذلك الزواج؟ يا له من افتراض سخيف! ثم هل الزواج يتم كل ليلة كما هو واضح فى حديث حيونة؟ كذلك فإن الله عندنا فى الإسلام لا يتجسد ولا ينزل إلى الدنيا فى صورة بشرية كما كانت تيريزا تعتقد، إذ الله لديها هو المسيح، أما رابعة فلا يمكن أن يخطر لها شىء من ذلك على بال، ومن ثم فالزواج منه لا يمكن أن يخطر على بال امرأة أو فتاة مسلمة أبدا. زد على ذلك أن حيونة لم تذكر رابعة بين العرائس. ثم إنها زادت فجعلت تلك العرائس عرائس الليل لا عرائس الله. من الجلى إذن أن د. بدوى قد دخل دراسته عن رابعة بأفكار مسبقة يريد أن يلفت بها الأنظار بأى طريق، متأثرا فيها بما فى الأديان الأخرى دون الانتباه إلى أن ثمة فروقا حاسمة وجازمة بين الإسلام وتلك الأديان. إنه يتصور أن رابعة كانت فيلسوفة وجودية! وهى، كما ترى يا قارئى الكريم، فكرة بائسة لا تلائم السياق أبدا بأى حال من الأحوال! وبالنسبة إلى الأخبار التى تشير إلى أن رابعة لم يكن لها أَرَبٌ فى الرجال، فهو أمر معروف ومُشَاهَد، إذ نرى المرأة من هؤلاء النساء لا تفكر فى الزواج مطلقا، وإذا أخطأت وتزوجت فسرعان ما يتم طلاقها لأنها ليست مهيأة لهذا اللون من الحياة. والملاحظ على بعض هؤلاء النسوة أنهن يشبهن الرجال فى بعض صفاتهن كالخشونة والصرامة وعدم الاعتناء بأنوثتهن وما يتعلق بها من ملبس أو زينة. وإذا تديَّنَّ أسرفن على أنفسهن ومن حولهن بألوان العبادة تصورا منهن أن الدنيا ليست إلا صلاة وصياما. وكأن فريد الدين العطار قد تبنه إلى هذا المعنى حين ترجم لها ضمن الرجال فى كتابه: "تذكرة الأولياء" قائلا إن المرأة التى تسلك الطريق إلى الله كما يفعل الرجال لا يمكن أن تسمى: امرأة. وإذا كان الأمر كذلك فلا يُعْقَل ما افترضه د. عبد الرحمن بدوى فى كتابه عن رابعة العدوية من أنها قد قارفت الآثام فى شبابها قبل أن تستقيم فى طريق التصوف، فضلا عن أن تكون قد أوغلت فيها كما زعم دون أن يكون مستندا فى هذا الزعم إلى أى أساس حسب إقراره هو سوى مجرد الافتراض (انظر كتابه: "شهيدة العشق الإلهى رابعة العدوية/ 17، 23)، إذ أجمع كل من كتبوا عنها أنها كانت مشغولة بالله عن الدنيا، بغض النظر عن موافقتنا لهم فى كل ما كتبوه فى هذا الموضوع أو لا، فهذا شىء آخر. فالمهم أنه لم يقل أحد ممن كتبوا عنها بما قال به د. بدوى أو أشار إليه ولو من طرف خفى على أى نحو من الأنحاء. ويزيد ما ادعاه عبد الرحمن بدوى بعدا عن الحقيقة ما رُوِىَ عنها من حكايات تؤكد أنها كانت ترفض كل من يتقدم إليها بغية الزواج منها كما رأينا، بغض النظر عن مدى صحتها. إنما أستشهد بها هنا لأنه لا يوجد ما يناقضها، مما يدل على اشتهار رابعة بالعزوف عن جنس الرجال، وعلى زيف ما افترضه د. بدوى من جهة أخرى من ثَمَّ. والعجيب أن كاتب مادة "رابعة العدوية" فى النسخة العربية من موسوعة "ويكبيديا" يقول إن عبد الرحمن بدوى قد فَنّد الصورة التى رسمها الفلم المصرى الشهير لرابعة، إذ أكد أنها كانت امرأة صالحة على عكس ما جاء فى ذلك الفلم من أنها مارست الرذيلة وعَبَّتِ الخمرَ عَبًّا قبل أن تتوب عن ذلك. وهذا كلام الموسوعة نصا: "اختلف الكثيرون في تصوير حياة وشخصية العابدة رابعة العدوية، فقد صورتها السينما في الفيلم السينمائي المصري الذي قامت ببطولته الممثلة نبيلة عبيد والممثل فريد شوقي في الجزء الأول من حياتها كفتاة لاهية تمرّغت في حياة الغواية والخمر والشهوات قبل أن تتجه إلى طاعة الله وعبادته، في حين يقول البعض إن هذه صورة غير صحيحة ومشوهة لرابعة في بداية حياتها، فقد نشأت في بيئة إسلامية صالحة، وحفظت القرآن الكريم وتدبَّرت آياته، وقرأت الحديث وتدارسته، وحافظت على الصلاة وهي في عمر الزهور، وعاشت طوال حياتها عذراءَ بتولاً برغم تقدم أفاضل الرجال لخِطْبتها لأنها انصرفت إلى الإيمان والتعبّد ورأت فيه بديلاً عن الحياة مع الزوج والولد. ويفنّد الفيلسوف عبد الرحمن بدوي في كتابه: "شهيدة العشق الإلهي" أسباب اختلافه مع الصورة التي صورتها السينما لرابعة بدلالات كثيرة منها الوراثة والبيئة، بالإضافة إلى الاستعداد الشخصي. وكان جيران أبيها يطلقون عليه: العابدة. وما كان من الممكن، وهذه تنشئة رابعة، أن يفلت زمامها. كما أنها رفضت الزواج بشدة". والملاحظ أن فى الحكايات التى تدور حول رابعة مبالغات كثيرة لا يمكن أن يقبلها العقل ولا الدين: من ذلك مثلا قولهم إن رجلا قرأ عندها آية ذُكِرَتْ فيها النار، فصاحت ثم سقطت، وإن آخر تكلم عندها بشيء فجعلت دموعها تتساقط على الحصير بصوت مسموع كالمطر. ترى هل يقبل هذا الكلام عاقل؟ لقد قرأنا سيرة الرسول وأحاديثه عليه السلام وسير الصحابة الكرام فلم نر منهم مثل هذا. فهل رابعة أكثر منهم خوفا من الله؟ بل هل يمكن أن يقع هذا من إنسان أيا كان؟ إن أقصى ما قاله النبى فى البكاء أن من السبعة الذي يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله رجلا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ولم يقل: رجلا كلما ذُكِر الله أمامه هطلت دموعه وسُمِع لها صوت كصوت المطر. ذلك أنه لو صح هذا لأصيب هؤلاء البكاؤون بالجفاف حتما وهُزِلوا وماتوا. ومن تلك المبالغات كذلك قولهم إنها كانت تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فتثب من مرقدها وهي فزعة وتقول: يا نفس، كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور. وكان هذا دأبها دهرَها حتى ماتت. بالله كيف تستقيم حياة إنسان لا يكاد ينام ليله ولا نهاره؟ ثم هل هذا مما يقبله الله من عباده؟ ترى ما يفعل الله بتعذيبنا أنفسنا على هذا النحو؟ لقد طالبنا سبحانه أن نؤمن به ونشكره سبحانه على نعمه وكرمه، أما أن نذهب فنعذب أنفسنا كل هذا العذاب فهو أمر لم يشرعه الله ولم يأذن به ولا يقبله أصلا، بل هو مما يستحيل علينا فعله، إذ لا بد لكل منا أن يأخذ كفايته من النوم، وإلا انهار وسقط ولم يستطع مواصلة الحياة ذاتها لا العبادة فحسب. ودعنا من السؤال عمن كان يقوم بأمرها وينفق عليها. إنه إذن لأعبد منها. و هذا طبعا إن كانت تلك الأخبار صحيحة ولم تزيَّف بعد مماتها، وهو ما أتصور أنه قد وقع، مما يُبْعِد عنها التبعة فى هذا ويلقى بها على من زعموا هذه المزاعم التى لا أصل لها من الصحة. كذلك لا أتصور صحة ما قيل من أن لصا دخل حجرتها وهي نائمة، فحمل الثياب وطلب الباب فلم يجده، فوضعها فوجده، فحملها فخَفِيَ عليه. فأعاد ذلك مرارا، فهتف به هاتف: "دع الثياب، فإنا نحفظها ولا ندعها لك، وإن كانت نائمة"، وهو ما علق عليه البوني بقوله: "وهذا تحقيق التمكين بقوله تعالى: ‘له مُعَقِّباتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله’"، وأنها خاطت بعض قميصها في ضوء مشعلة سلطانية ففقدت قلبها زمانا حتى تذكرت، فمزقت القميص، فعاد قلبها، وأنها سئلتْ: متى يكون العبد راضيا؟ فقالت: إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة. ذلك أنها كانت تعيش فى كوخ كما يقولون، ولم تكن تملك من متاع الدنيا شيئا طِبْقًا لما يؤكدون. فكيف سولت لِلِّصِ نفسُه أن يذهب إلى كوخ يسربله الفقر سربلةً فيسرق امرأة ليس لها شىء يُسْرَق؟ أما المعجزة العجيبة التى حدثت فهى بطبيعة الحال لا تدخل العقل ولا بالطبل البلدى. إنها حكاية خيالية جميلة، ويمكن أن تُدْرَس بوصفها نصا أدبيا ممتعا. أما أن يقال إنها حكاية حقيقية فدون ذلك خَرْط القَتَاد كما كان العرب القدماء يقولون! ثم ما معنى أن يُسَرّ الإنسان بمصيبته كما يُسَرّ بما يناله من نعمة؟ إن الإنسان ليس حجرا لا يحس ولا يميز. ولو صار أى إنسان بهذه المنزلة ما كان إنسانا. فهذا كلام قد يعجب بعض الناس الذين يحبون أن يشنّفوا آذانهم بمثل تلك الأقوال المدوية التى لا طائل وراءها، لكنه لا يدخل عقولنا رغم حبنا لكل مؤمن يرضى بقضاء الله وقدره، وهو أقصى ما يمكن أن يبلغه المؤمن من الرضا بالقضاء والقدر. أما أن يُسَرّ بالمصائب تقع على أم رأسه كما يُسَرّ بالنعم فهذا ما لا يمكن أن أتخيله مجرد تخيل. إن الأحجار والحديد تأكلهماعوامل التعرية أَكْلاً، فما بالنا بالإنسان؟ أما الكلام المنسوب إليها فى النص التالى من "شرح الزبيدي": "قيل لرابعة قُدِّس سِرُّها: كيف حُبُّك للرسول صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: والله إني لأحبه حبا شديدا، ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين"، وأنه قد حُكِيَ عن أبي سعيد الخراز قوله: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت: يا رسول الله، اعذرنى، فإن محبة الله شغلتني عن محبتك. فقال: يا مبارك، من أحب الله فقد أحبني"، فهو كلام يناقض بعضه بعضا، إذ كيف يكون الإنسان محبا لشخص حبا شديدا، إلا أن حبه لطرف ثالث قد شغله عنه؟ ثم ألا يرى القارئ بين السطور هنا لونا مقيتا من الغرور، إذ يريد من يقول هذا أن يشير إلى أنه أكبر من أن ينشغل بحبه صلى الله علييه وسلم لأن لديه حبا أهم منه، فهو من ثم ليس عنده من الوقت ولا من البال ما يوجهه إلى الرسول عليه السلام؟ ترى أهذا مما يليق قوله فى حقه عليه السلام؟ ولو صدقنا هذا الكلام العجيب فالسؤال هو: كيف ظهر لها النبى فى المنام، وهى غير مشغولة به لا تفكر فيه؟ إننا نعرف أن الأحلام عادةً هى انعكاس لما يشغلنا فى اليقظة. أما إن قلنا إنها لم تكن مشغولة به صلى الله عليه وسلم، بل هو الذى ساءه أن تتجاهله فظهر لها فى المنام بغية تنبيهها إلى تقصيرها فى حقه فتكون طامة كبرى أن ينزعج الرسول من هذا الأمر، بينما هى لا تبالى به أدنى بالة. كذلك فإنها، فيما يحكون عنها، قد ذكرت مرة أنها تجتهد فى العبادة وقيام الليل وتفعل المستحيل حتى يمكن الرسول يوم القيامة أن يباهى بها بين الأمم الأخرى. أليس معنى هذا أنها تفكر فيه صلى الله عليه وسلم. نحن هنا بين أمرين: أن نظرتها لهذا الأمر غير محكمة، ولهذا نراها تتناقض مع نفسها من موقف إلى آخر، أو أن ذلك التناقض راجع إلى أن مثل تلك الروايات هى روايات مخترعة، فكان كل من أراد أن يقول شيئا يعبر به عن فكره واعتقاده ألّف حكاية ونسبها إلى رابعة فتكون هى المتحدث بلسانه دون أن يتنبه أحد إليه، فينجو من التبعة. ثم من يا ترى ذلك الذى لا يستطيع أن يفكر طوال الوقت إلا فى الله؟ ألا يجوع؟ ألا يعطش؟ ألا يحتاج إلى دخول الحمام؟ ألا يكتب ويقرأ مثلى مثلا ويبيت يقلب الفكر والرأى ويراجع ما يكتبه ويصححه ويدفع به إلى المطبعة وينتظر ظهوره على أحر من الجمر؟ ألا يفكر فى تدبير أمر بيته وحاجات أفراد أسرته ومرض من يمرض منهم مثلا؟ ألا يفكر فى تجهيز ابنته وسترها وزفافها إلى زوجها معززة مكرمة؟ ألا يمرض ويتألم ويقاسى الصداع والمغص والسرطان؟ ألا يستدين فيعانى الخوف من عدم السداد فى الميعاد؟ ألا يختلف مع جيرانه أو شركائه أو أقاربه مثلا وتثور بنيه وبينهم المشاكل التى قد تصل إلى المحاكم؟ ألا يتعرض للسرقة والخداع ويضيع منه ماله، والحياة لا تمضى دون مال؟ أم إن المتصوفة ليسوا ينتمون إلينا ولا يعيشون فى دنيانا؟ أتراهم من جنس السوبرمان؟ حتى السوبرمان، يا أخى، يجوع ويعطش ويتألم ويقلق. كل ما هنالك أنه أعلى منا نحن البشر مرتبة، لكنه ليس مُعْفًى من كل ما يشغلنا ويقلقنا، وإلا ما كان مخلوقا! وهذا إن كان هناك سوبرمان أصلا، إلا أننى أمضى مع الافتراضات إلى آخر المدى. ومرة أخرى أنا لا أحمّل رابعة مثل هذه الأقوال، بل أحمّلها من اخترعوها ونسبوها إليها. وقد يقول بعض الناس:

الخبر من المصدر