المحتوى الرئيسى
تريندات

إيران وتركيا: تضخم الذات ينفي الآخر

09/21 14:10

في يوم 29 يوليو 1989، قبل وفاته بأربعين يوما، نشر أستاذنا الدكاترة حامد ربيع رحمة الله عليه الحلقة الأولى من سلسلة مقالات في صحيفتي الوفد المصرية والخليج الإماراتية تحت عنوان "مصر والحرب القادمة"، ونشرت الحلقة الأخيرة بعد انتقاله إلى رحمة ربه يوم 9 سبتمبر 1989، وبعدها بعام وقعت الحرب القادمة بين التحالف الدولي والعراق، وبدأ تاريخ المنطقة يأخذ منعرجاً جديداً لم يخرج منه حتى اليوم، ولم تزل الأمة العربية تدفع حماقة غزو الكويت وستظل حتى تفيق من غفوتها التي شخصها حامد ربيع بصورة دقيقة في افتتاحية المقالة الأولى بقوله: "في تاريخ كل أمة تمر لحظة معينة، فإذا بها تصاب بنوع من الغشاوة الحقيقية: تضطرب مفاهيمها ويصيب مدركاتها عدم الوضوح، ويسيطر على عقلها عدم الصلاحية، المؤرخ يقف إزاء تلك الظاهرة في حال ذهول: كيف حدث ذلك؟ ولماذا حدث ذلك؟ هذه أمة تملك تقاليدها الواضحة الصريحة المقننة؛ فإذا بها وقد أصاب الاختلال كل مفاهيم الأمن القومي؛ فلم تعد قادرة على تحديد العدو، وفصله عن الصديق، وتنظيم مراتب العداوة وكذلك مراتب الصداقة".

تمر الأمة العربية في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة بحالة تشبه تماما ما قبل دخول العراق إلى الكويت، وارتكاب حماقة كانت فيها نهاية العراق العظيم، وخروجه من معادلة القوة العربية، وخروجه كذلك من التاريخ، وتحوله إلى حديقة خلفية للعرش الإيراني من خلال عصابات من مزدوجي الجنسية، سارقي المال العام، الذين جاءوا مع الغزو الأمريكي 2003، من عواصم أوروبا وأمريكا ومن طهران، والذين يضخون ثرواتهم إلى العواصم نفسها التي جاؤوا منها بعد أن حولوا العراق العظيم إلى ساحة لتفريغ كل عقد التاريخ وأزمات الجغرافيا، وقضوا على أكثر من جيل من شعب كان يمثل قلعة العلم والثقافة في العالم العربي.

لقد تكرر نموذج العراق بالآليات نفسها: الاستبداد يستدعي الاستعباد، القهر الداخلي يستدعي العدو الخارجي، مرحلة جديدة من التبعية الإرادية للخارج، واستدعاء الاستعمار من جديد حتى ولو تم دفع تكاليفه، هذا ما تمخضت عنه ثورات الربيع العربي التي تحولت إلى شتاء، ثم خريف تسقط فيه كل الأوراق، وتتصحر الحياة، ويصير كل شيء قابلا للاشتعال، فتندلع الحرائق في كل مكان، والمستفيد دائما موجود، والمتربص حاضر ومنتظر الغفلة، أو الحماقة أو التهور، المتربص بالعرب عواصم ثلاث: طهران وأنقرة وتل أبيب، كلٌ استفاد من الربيع العربي بطريقته، وحقق مشروعه العدائي بأسلوبه، وفي التوقيت الذي يناسبه، والعرب ما زالوا حبيسي الشعارات الجوفاء التي كانت سبباً في هزيمة 1967، وفي ضياع العراق، ثم في ضياع معظم الدول العربية من سوريا إلى ليبيا إلى اليمن.

 التحديات التي يواجهها العرب من دول الجوار في هذه اللحظة التاريخية يمكن توصيفها بأنها "استراتيجية الوجود من خلال النفي"، أي أن هذه الدول الثلاث: "إيران وتركيا وإسرائيل " تسعى لتحقيق وجودها من خلال نفي الوجود العربي، سواء في دولة أو أكثر من دولة؛ حيث لا يمكن التعايش مع المشاريع الاستراتيجية لهذه الدول، ولا يمكن الوصول إلى حلول وسط معها؛ لأنها تضع العالم العربي أمام معادلة صفرية كاملة، إما أن تحقق كل من هذه الدول الثلاث أهدافها ومشروعها الوطني، وإما أن تفعل الدول العربية مثل ذلك.

أهم أخبار العالم

Comments

عاجل